الشركات السعودية ومشكلة إدارة الأرباح

|
هل لدى هيئة سوق المال إجابة عن حالة السوق المالية اليوم حال الأسعار، وهل تقوم بدراسات عن اتجاهات الأرباح والنمو والخسائر وأسبابها الفعلية؟ ولماذا هناك شركات لا تقوم بتوزيعات مهما أعلنت من رقم للأرباح؟ ولماذا بعضها الآخر يمنح رقما ثباتا من التوزيعات النقدية مهما ارتفعت أرباحه وتضخمت احتياطياته؟ وباختصار هل هيئة السوق المالية تدرك حال الشركات فعليا ودورها السلبي في تراجع الفكر الاستثماري بل في تقلص منافذه، أم فقط تقوم بمتابعة المضاربين ومن باع ومن اشترى؟ وإذا كانت هيئة السوق المالية معنية بالمضاربات فهل ستهتم وزارة التجارة بذلك؟ الواضح أن حال السوق المالية لا يتناسب مع حجم الاقتصاد السعودي، بل إنني أعتقد أن مشكلة كبيرة تواجه السوق المالية وهي مشكلة إدارة الأرباح في الشركات السعودية، لقد كتب هيلي Healy، في عام 1985 واحدة من أهم الأوراق البحثية في المحاسبة، وكانت بعنوان "تأثير المكافأة الإضافية على القرارات المحاسبية"The Effect of Bonus Schemes on Accounting Decisions وهي تعد أول ورقة علمية أثارت خطورة موضوع إدارة الأرباح، لقد أكدت الورقة في منهج عملي تجريبي على أن المديرين التنفيذيين في الشركات يتخذون القرارات بشأن السياسات المحاسبية وبشأن البدائل المحاسبية من أجل هدف واحد وهو تعظيم العلاوة السنوية لهم والمرتبطة برقم الأرباح، لقد أثبت هيلي أن العلاقة بين الأرباح المعلنة وبين قيمة المكافآت هي علاقة خطية، حتى مستوى معين. وقد رسم هيلي خطا بيانيا لهذه العلاقة بحيث كلما تصاعد رقم الأرباح تصاعدت قيمة المكافآت "نظرا لحجم النمو في الأرباح" لكن هذه العلاقة لا تستمر طويلا، حيث تصل لمرحلة لم تعد الأرباح قادرة على النمو بشكل يحقق نسبة المكافآت المنشودة للمديرين التنفيذيين وقد يكون اتجاه النمو محدودا، عند هذه النقطة بالذات أو إذا اقترب الخط البياني منها، فإن المديرين التنفيذيين يتخذون قرارات محاسبية بالتلاعب في السياسات والأرقام من أجل إدارة رقم الأرباح للعودة مرة أخرى إلى النمو القوي في الأرباح حتى تحقق المكافآت المنشودة، وهكذا ظهرت أخطر المقالات حول مدى انتشار هذه الظاهرة في الأسواق العالمية وخطورتها، ولقد عملت الجهات التي تضع المعايير المحاسبية على الحد من فرص التلاعب بالأرقام المحاسبية من خلال ما سميت بالمعايير الموضوعة على أساس القواعد Rule-based standards، وهذا الذي تطبقه الولايات المتحدة الأمريكية ولم تزل تصر عليه، بينما ظهر اتجاه آخر هو المعايير التي تستند إلى المبادئ Principles-Based Standards، وهي التي تبنتها المعايير المحاسبية الدولية التي تم التحول إليها أخيرا في السوق السعودية، وهي تمنح مساحة من الخيارات بحسب موقف الشركة والأنظمة التي تحكم البلد الذي تعمل فيه، هناك اعتقاد أن المعايير المستندة إلى المبادئ تسمح بإدارة الأرباح أكثر من غيرها، فهل تأثرت الشركات السعودية بهذا التحول الخطير؟ وهل بدأت تمارس إدارة للأرباح من خلال الخيارات التي تمنحها المعايير الدولية؟ لا أحد يستطيع أن يجيبنا أكثر من هيئة السوق المالية، برغم أن هناك أبحاثا عدة أثبتت وجود هذه الظاهرة وأنا أعتقد أنها أصبحت أكثر تفاقما. نظرية هيلي تقول إن المدير التنفيذي يسمح بالأرباح طالما أنها قادرة على النمو بطريقة تعزز رقم المكافآت المستهدف، فإذا توقف النمو تحول مرة أخرى إلى الخسائر السريعة الفادحة ومن ثم العودة إلى الأرباح والنمو الكبير، ولست هنا أتهم أحدا لكن من المهم مراقبة مثل هذه الظواهر الخطيرة وهذا دور هيئة السوق المالية، فمن يراقب الأرباح في الشركات السعودية يجد أنه في عام 2012 بلغت الأرباح المجمعة "مليون" 105.783.72 بنسبة نمو 1.29 في المائة، وفي عام 2013 بلغت 110.870.58 بنسبة نمو 4.89 في المائة، واستمر في عام 2014 النمو بنسبة 3.66 في المائة، وهذه الوتيرة لا تساعد على تحقيق رقم مكافآت مناسب، لهذا ظهرت التغيرات عام 2015 بأرباح 99,248.53 نسبة تغير سالبة (13.73 في المائة) وهو تراجع ضخم جدا ثم تحسن التراجع في عام 2016 بأرباح بلغت 94,260.13 ونسبة تغير سالبة (5.02 في المائة)، ثم عادت الأرباح بنسبة نمو كبيرة جدا بلغت 10.51 في المائة والأرباح المجمعة 104,304.12، وهذا التغير الكبير في النمو السريع يعطي مؤشرا على نظرية هيلي، وأن التراجع الكبير في الأرباح في الشركات السعودية بهذا الشكل برغم تنوع القطاعات يطلب دراسة عميقة عن خطورة ظاهرة إدارة الأرباح من أجل المكافآت. والله أعلم.
إنشرها