تجربتنا الخاصة في التعلم المالي

|
هناك كثير من النداءات الجادة في الدول المتقدمة - والدول الفقيرة كذلك - لتطوير الثقافة المالية للأفراد. تنال الثقافة المالية هذا الاهتمام باعتبار أنها سبب رئيسي لرفع الإنتاجية الاقتصادية، وآخرون يرونها شرطا لا غنى عنه لتحقيق العدالة الاجتماعية، وفي الدول الفقيرة هي منجاة من الفقر ومخرج ممتاز من حياة الاعتماد على الغير، تشهد بذلك ممارسات التمويل الأصغر والشمول المالي في كثير منها. كثرة الأسباب أو قلة، الثقافة المالية الإيجابية مطلب حيوي وضروري لأي مجتمع فعال تتاح فيه فرصة النمو والرفاهية للجميع. شاهدنا محليا كثرة النداءات في السنوات الأخيرة ونحن بالتأكيد نتشارك مع غيرنا معظم الأسباب، غير أن وضعنا من ناحية الجاهزية الفردية والمجتمعية مختلف عن الدول المتقدمة والفقيرة، إذ نوجد كمجتمع إلى حد ما في المنتصف، ولكن هناك ما هو مختلف عن الآخرين. على سبيل المثال، مستوى التعليم مرتفع والبنية التحتية متطورة بشكل مستمر، بينما عديد من الأنظمة والممارسات، التي تمس الأفراد ماليا في مراحل مبكرة نسبيا (الضرائب على سبيل المثال)، وبعضها غير موجود بالكلية، هذا جعلنا متقدمين في جوانب معينة متأخرين في أخرى. بدون سرد للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي المحلي الذي أنتج لنا الوضع الحالي، مرت على المملكة في السنوات الأخيرة محطات تاريخية أثرت على تطوير الثقافة المالية للأفراد، تستحق في نظري التمعن والنظر بافتراض أننا نستطيع أن نبني على هذه التغيرات الأخيرة، ببعض التخطيط الجيد، تحسينا جذريا على التغيير القادم المنتظر. من أول المحطات المؤثرة في السلوكيات المالية للسعوديين النمو السريع للقطاع الخاص في العقود الأخيرة كمورد حقيقي للوظائف، إذ أصبح القطاع الخاص يستوعب ما يقارب عشرة ملايين مشتغل من بعد أن كان يوفر ما يقترب من عشر هذا الرقم في التسعينيات الميلادية، صنع هذا التغيير تنوعا جديدا في العناصر البشرية المنتجة واستحدث عددا من السلوكيات المالية المتأثرة بطبيعة الدوام والمنافع المختلفة جدا عن الوظائف الحكومية. من المحطات المؤثرة والمهمة تجربة المتقاعدين الأوائل، إذ تعد فترة التسعينيات وبداية الألفية فترة مزدهرة للأجيال الرائدة التي عملت بعد الحصول على التعليم النظامي والابتعاث حول الستينيات الميلادية، وبرأيي صنع هؤلاء بتجربتهم التقاعدية مرجعية مهمة لأفواج المتقاعدين والعاملين من بعدهم؛ مرحلة التقاعد مشهد حقيقي وواقعي لنتيجة السلوك المالي السابق ولذلك تعد تجارب حية مؤثرة للمقبلين على التقاعد ومن يبدأ حياته الوظيفية كذلك. في عام 2005 ابتدأت أفواج الابتعاث من جديد وللمبتعثين دور لا يستهان به في تطوير المزيج الثقافي والسلوكي المحلي، وبكل تأكيد تعد الاستقلالية المالية عن الأسرة في أماكن متباعدة جغرافيا تجربة غنية لها دور مؤثر، خصوصا بعد أن أثرت في عدد لا يستهان به من المبتعثين على مدى تجاوز العقد من السنوات. تزامن مع الابتعاث النمو المتسارع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت من ديناميكية التأثير والتأثر وصنعت قاعدة من المحتوى الجديد وروجت لسلوكيات لم يكن لها أن تعرف، وأكثر ما يخص هذا العنصر المهم هو صعوبة التنبؤ بخطوته القادمة أو قدرته الكامنة. لذلك دائما ما يتم التقليل أو المبالغة في تصور دور التقنية وأساليب الحياة العصرية، خصوصا لدى مواليد الألفية ومدى قدرة أي مجتمع على المواءمة بين هذا الواقع وبين الترويج لقيم وممارسات إيجابية محددة مثل الثقافة المالية الإيجابية. حتى إن لم تكن تحقق أهدافها بعد، أسهمت موجة الاهتمام بريادة الأعمال ومحاولة توجيه الجهود لها في إعادة ترتيب الأولويات المالية عند عديد من الناس. مجرد وجود المشاريع الصغيرة في أحلام وخطط الأفراد كحل عملي لزيادة الإنتاجية والدخل يعد إنجازا، مقارنة بقلة وجود هذا الحيز الإيجابي من التفكير في السابق. ومثل ذلك الدور المحوري الذي لعبته على سبيل المثال تطبيقات الاقتصاد التشاركي في تغيير اعتبارات البعض بعد إتاحتها لفرص لم تكن موجودة في السابق. تطبيق مثل أوبر جعل تحقيق دخل إضافي بهدوء وبدون تدخلات من الأصدقاء والمقربين خيار واقعي متاح لمن يبحث عنه. في نفس الفترة تقريبا، راجت ممارسات المسؤولية الاجتماعية للشركات ونشط ما يطلق عليه القطاع الثالث فخرجت لنا مجموعة من برامج التوعوية المالية التي لا يمكن تجاهل دورها على الرغم من افتقار معظمها لآليات قياس الأثر المحكمة القابلة للمقارنة والتحليل. وفي السنوات الثلاث الأخيرة وحتى اليوم تزايد الزخم المؤثر في السلوكيات المالية، إذ شمل الإصلاحات الاقتصادية ودور القطاع الخاص المتزايد وبرامج الدعم الحكومي والتغييرات التنظيمية السريعة جدا، خصوصا ما أثر في المنافع والبدلات وكل ما يتبع الرؤية من برامج منفذة وأخرى قيد التنفيذ. تجربتنا في تطوير السلوكيات المالية والثقافة المالية قصيرة جدا، إلا أنها زاخرة بعدد من التجارب والبرامج الناجحة والفاشلة، المؤثرة وغير المؤثرة، المخطط وغير المخطط لها. وفي نظري، أن من ينظر للمستقبل ويحاول الاستشراف بتجارب الآخرين أو أحدث نصائحهم يجب ألا يغفل عن المراحل المحلية المؤثرة التي تفاعلت بشكل جيد مع واقعنا، وأن ينظر لها كتجارب مثبتة ميدانيا يمكن الاستفادة منها بأكثر من طريقة.
إنشرها