FINANCIAL TIMES

أزمة الشركات الصغيرة والمتوسطة .. سبب أم نتاج تباطؤ اقتصاد كوريا الجنوبية؟

يسود الصمت في مصنع لي جونج روك في ضواحي سيؤول. قبل خمسة أعوام فقط، كانت ورشة العمل نشطة عندما كان فريق لي المكون من 15 شخصا يصنع منتجات التعبئة والتغليف لبعض أكبر شركات كوريا الجنوبية، ما عمل على توليد مبيعات سنوية بملايين الدولارات.
على أن الطلبات قد تقلصت 80 في المائة، كما انخفضت القوة العاملة ضمن الفريق إلى أربعة أشخاص.
تجربة لي تشاركتها مئات الآلاف من الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم في كوريا الجنوبية، التي توفر 90 في المائة من الوظائف في البلاد.
لقد حاولت الحكومة حل المشكلة من جذورها العميقة: التكتلات القوية في البلاد والمنافسة الخارجية التي تضغط على أصحاب العمل الصغار.
قال لي سانج جاي، خبير الاقتصاد في شركة يوجين للاستثمار والأوراق المالية: "على الرغم من أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل جزءاً صغيراً من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد، إلا أن مشكلتها لها تأثير كبير في سوق العمل والاستهلاك".
المنافسة الصينية تعمل على إفراغ مساحات شاسعة من الصناعة، التي كانت فيما مضى تؤمّن اقتصاد كوريا الجنوبية القائم على التصدير. هناك شعور بالألم في كل أنحاء رابع أكبر اقتصاد في آسيا، الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد منذ فترة طويلة على البيع إلى التكتلات في البلاد، وبعض شبكاتها الدولية، وهي التي تتحمل العبء الأكبر.
قال لي، رئيس "نوكستوب كيم" البالغ من العمر 56 عاماً: "قد نضطر إلى إغلاق الشركة إذا استمرت الطلبات بالانخفاض. لقد تضررنا كثيراً بسبب انخفاض أعمال زبائننا. الخسائر تتضخم".
كوريا الجنوبية موطن أكثر من 3.5 مليون شركة صغيرة ومتوسطة. العام الماضي، تم تصنيف نحو 45 في المائة من المجموعات على أنها "شركات حية ميتة" – وهي الشركات التي كانت غير قادرة على دفع تكاليف رأس المال من الأرباح التشغيلية لثلاثة أعوام متتالية – وذلك وفقاً لبنك كوريا.
كثير منها تبقى عائمة بسبب القروض الرخيصة، لكن معدل إفلاس الشركات يزيد – بارتفاع 9 في المائة بالمعدل السنوي حسب عدد المجموعات المتعثرة – كما يزيد أيضاً عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة المعروضة للبيع – بارتفاع 44 في المائة بالمعدل السنوي – وذلك وفقاً لبيانات المحكمة وشركة كوريا إم آند أيه أكستشينج Korea M&A Exchange، وهي وسيط مالي لعمليات الدمج والاستحواذ.
قال بارك سانج إن، أستاذ الاقتصاد في جامعة سيؤول الوطنية: "الشركات الكورية لا تستطيع المنافسة مع الصين والهند فيما يتعلق بالسعر، وينبغي أن ترتفع على سلسلة القيمة". وأضاف: "على أن التطور الصناعي نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى لا يحدث في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة" بسبب اعتمادها على التكتلات.
وقال تشانج سانج كوك، مدير في مصنع نوكستوب: "من المرجح أن تسوء الأمور مع استمرار انخفاض الأسعار. أتمنى لو كان هناك مزيد من العمل؛ لأن كثيرا من الأيام تمر من دون أي شيء".
دعم القطاع هو من الأولويات الرئيسة لرئيس كوريا الجنوبية، مون جاي إن، الذي يحاول تخفيف اعتماد البلاد على التكتلات الكبيرة، مثل "سامسونج" و"هيونداي".
وحيث إن التكتلات الكبيرة تقوم بشكل متزايد بالتصنيع أكثر من قبل في الخارج، هناك شعور متزايد بأن سيؤول تحتاج إلى أن تحذو حذو طوكيو أو برلين، من خلال رعاية الشركات الصغيرة والمتوسطة المتخصصة والقوية.
على أن جهود مون حتى الآن لم تحظَ بزخم يُذكر، على الرغم من المجالات الكثيرة من الدعم والحوافز الضريبية. بالنسبة لكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة، فإن سياساته الاقتصادية، التي شملت زيادة الحد الأدنى للأجور وحدا أقصى لساعات العمل، لم تؤد إلا إلى تفاقم محنتها.
أوه يون مين، صاحب شركة جين يونج للتغليف، قال إنه لا يستطيع تحمّل دفع الأجور المتزايدة. "الآن لا نستطيع التفكير في تعيين موظفين جدد. بدلاً من ذلك، قد نضطر إلى خفض القوة العاملة الحالية".
تعقدت المسألة بسبب الاستقطاب الاقتصادي المتزايد في كوريا الجنوبية. يبلغ متوسط الأجور في الشركات الصغيرة والمتوسطة نحو نصف المتوسط في الشركات الكبيرة – والفجوة تتسع كل عام، كما تُظهر البيانات من وزارة العمل.
عادةً ما يسعى العاملون إلى تعويض الدخل المنخفض عن طريق العمل الإضافي، لكن تعرّض ذلك للإحباط بسبب مبادرة مون لخفض ساعات العمل الأسبوعية من 68 إلى 52 ساعة. قال لي ميونج ريول، البالغ من العمر 37 عاماً الذي يكسب 1800 دولار شهرياً في شركة وونجبي تي إس، التي تصنع غرفا نظيفة لمصانع شبه الموصلات: "إذا لم أعمل ساعات إضافية، فسيقل أجري. أفضل العمل أكثر لأحصل على أجر أكثر".
على أن هيمنة التكتلات تفرض مشكلة أعمق تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة.
العام الماضي، كانت أكبر 10 شركات في كوريا الجنوبية تمثل 44.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي – بارتفاع من 41.5 في المائة عام 2015.
تشتهر التكتلات في كوريا الجنوبية بالضغط على الموردين، الذين تتعامل معهم من الشركات الصغيرة والمتوسطة فيما يتعلق بالسعر، وتشتري الشركات المزدهرة لإخراجها من المنافسة، إلى الأبد.
يذكر أوه من جين يونج للتغليف حادثة عندما ابتكر كجزء من صفقة نموذجا لأحد المنتجات لعرضه على شركة سامسونج. قال أوه إن الشركة بعد أن أخذت التصميم طلبت من مقاول صيني صناعة المنتج بسعر أقل بكثير. "هذه الأشياء كانت تحدث في كثير من الأحيان، عندما كنا نحاول عقد صفقات مع شركات كبيرة. لذلك لم يكن أمامنا سوى الاستسلام".
قالت شركة سامسونج إنها لا تذكر التعامل مع شركة جين يونج للتغليف، وقالت إنها توسع الدعم للموردين الذين تتعامل معهم، وللشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل عام – على شكل استثمار وتمويل – لإجمالي يبلغ أربعة تريليونات وان "3.6 مليار دولار".
قالت الشركة: "هذه البرامج لا تعمل على إيجاد الاستقرار داخل سلسلة التوريد، لكن أيضاً ستعمل على تسهيل التحسينات داخل الشركاء".
غالباً ما تُتهم التكتلات أيضاً بمنع الموردين الذين تتعامل معهم من البيع إلى تكتلات أخرى – وهو تقييد يؤدي إلى القليل من البحث والتطوير في الشركات الصغيرة والمتوسطة.
حذر بارك من أن جهود الحكومة لتوفير دعم مالي لهذه الشركات الصغيرة والمتوسطة سيكون عبثاً ما لم تبدأ الشركات نفسها بالابتكار. وقال "عدم وجود المنافسة أدى إلى عدم وجود الابتكار".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES