كيف يمارس مبدأ «الحسم» في المنظمات؟

|

ما بين الوقت والآخر تغطي وسائل الإعلام بعض الأحداث المؤسفة التي تمر بها بعض المنظمات، ومنها ما تناقلته وسائل الإعلام حول قيام عميد إحدى الكليات في إحدى الجامعات بتغيير أسئلة الاختبارات دون علم أستاذة المادة. وقد علمت الطالبات بهذا التصرف بعد دخولهن قاعات الامتحان بدقائق، الأمر الذي أثار استياءهن ودفع بعضهن إلى تمزيق الأسئلة ومغادرة القاعة بإيعاز من أستاذة المادة. وبرر عميد الكلية سبب تغيير الأسئلة إلى الاشتباه في تسربها وأن أستاذة المادة لا تمتلك الخبرة الأكاديمية الكافية.
وقد تدخلت أطراف داخلية لحل القضية داخل أروقة الجامعة، إلا أن الأزمة أبت إلا أن تخرج إلى الإعلام بكل ما تحويه من حقائق وشائعات، الأمر الذي أدى إلى تدخل رئيس الجامعة بقيادة الحدث بنفسه. فأول ما قام به التأكد من مصداقية الحادثة، وبعد أن تأكد وعرف الحقيقة قام هو شخصيا بالاعتراف بأن الأسئلة لم تتسرب، وأن عميد الكلية كان على خطأ، وأن أستاذة المادة كانت على صواب.
إن تصرف رئيس الجامعة يكشف عن عبقرية إدارية فذة، فقد ابتعد عن الطرق التقليدية التي يمارسها بعض القادة في مثل هذه الأمور. وبهذا أخرست الأصوات النشاز، وأخمدت الفتنة، وأعيدت الأمور إلى نصابها، لأنه لم يبق شيء تحت الطاولة.
موضوع كهذا يذكرني بمبادئ القيادة لـ"جاك ويلش" التي سبق أن تطرقت إليها في مقال سابق، وتتلخص في السمات الأربع التالية: القائد الفذ يجب أن يمتلك الطاقة، والقدرة على التحفيز، والقدرة على الحسم، والقدرة على التنفيذ. ونريد أن نستغل هذا الحدث لنناقش هذه المبادئ، وسيقتصر نقاشنا على المبدأ الثالث، وهو "الحسم".
القياديون الذين يتصفون بالحسم - وهو مبدأ لا يتقنه إلا القادة الشجعان - هم من النوع التنافسي، يعرفون كيف يتخذون القرارات الصحيحة في الأوقات المناسبة، ولا يسمحون للمثبطات والشائعات والعادات الإدارية البالية أن تعترض سبيلهم أو تعيق تقدمهم. إنهم القادة الذين لا يعرفون التردد إذا اتضحت أمامهم الحقائق في اتخاذ القرارات المصيرية، أو ما أسماها بيتر دراكر "قرارات الحياة أو الموت".
إن ممارسة مبدأ الحسم ليست أمرا سهلا، فقد يواجه القائد النقائض والضغوط، فيلجأ إلى الهدم من أجل البناء، وإلى التضحية من أجل البقاء، وإلى تسريح كثير من العاملين من أجل الاحتفاظ بالمتميزين، وإلى الاعتراف بالحقيقة المرة من أجل التصحيح وترسيخ مبدأ العدالة كما فعل رئيس الجامعة في المثال أعلاه. ومن التناقض أيضا أن يجد القائد وسيلة لقيادة منظمته في المدى البعيد في الوقت الذي تستمر فيه المنظمة في العمل بكفاءة في المدى القصير، فتتقلص كي تنمو، وتتخلص من بعض الأشياء كي تكسب أشياء أخرى أكثر أهمية. إن مبدأ "الحسم" يعنى البراعة في إدارة المتناقضات ومواجهة الضغوط والصراعات.
ينصب اهتمام القادة الذين يتصفون بالحسم بالدرجة الأولى على مصلحة المنظمة، والأفراد يأتون في المرحلة الثانية، فالكيان عندهم أهم من الإنسان، لأنهم يرون أن الاهتمام المبالغ فيه بالعنصر البشري على حساب المنظمة يؤدى إلى تكون بيئات تنشأ فيها القيادات البغيضة، كالدكتاتورية، والعادات المقيتة، كالبيروقراطية، وتصبح المنظمة رهينة لزمرة يعبثون ويسيؤون استخدام السلطة.
ومن أبرز من أتقن هذا الفن "رودولف جولياتي" الذي أطلق عليه في الآونة الأخيرة عمدة أمريكا، فقد امتلك هذا الرجل الحسم بوفرة، حيث وقعت أحداث مفتعلة في مدينة "نيويورك". وحيث إنه كان سيتقاعد من منصبه كعمدة لـ"نيويورك" في غضون بضعة أشهر، وكان من الممكن أن يختبئ ويصدر أوامره من موقع سري، إلا أنه آثر الظهور وحسم الأمور، فكان الرجل الوحيد الذي تجده في كل مكان، وغالبا ما كان موجودا في موقع الهجمات يقدم المساعدات ويمارس التوجيه والقيادة، حتى إن أشد منتقديه امتدحوا فعلته هذه.
أما "جاك ويلش"، فقد طبق مبدأ الحسم بطريقة أخرى، فقام بتسريح واحد من كل أربعة موظفين حتى أصبح إجمالي الموظفين الذين تم تسريحهم 118000 موظف. فعل هذا من أجل المحافظة على الموظفين الأكفاء ولجعل الشركة الضخمة المترهلة تسير خفيفة كشركة صغيرة رشيقة. و"ويلش" يري أن الموظفين المعادين لقيم الشركة أشبه بالأمراض المعدية، فإذا لم يؤمنوا ولم يأتوا بكل ما لديهم، يجب التخلص منهم فورا.
والمقدرة على "الحسم" ليس لها قيمة من دون التنفيذ، والقياديون الذين ينفذون بفاعلية يدركون أن الحسم والإنتاجية ليسا وجهين لعملة واحدة. وأفضل القادة هم الذين يعرفون كيف يحولون "الحسم" إلى عمل ونتائج، إنهم يعرفون كيف يجنون ثمار مبدأ "الحسم" بالتنفيذ.

إنشرها