ثقافة وفنون

«كسارة البندق والعوالم الأربعة» .. مرآة ما بداخلنا

لم تعد الأفلام الهوليوودية المخصصة للأطفال مجرد مشاهد ترفيهية، بل أصبحت تخاطب عقولهم وتختلج نفوسهم لتضفي مزيدا من القيم التربوية التي نغرسها في قلوبهم عبر مشاهد هادفة ومعان قيّمة، وفي كل قصة من الأفلام العائلية، سواء كانت بتقنية ثلاثية الأبعاد أم ثنائية الأبعاد تُقدم فكرة معينة، تماما كما حصل في فيلم الفانتازيا الذي صدر أخيرا من أستديوهات والت ديزني تحت عنوان "كسارة البندق والعوالم الأربعة"، فماذا كانت فكرته وكيف تم تقديمها للمشاهد الكبير والصغير على حد سواء؟
يبدأ الفيلم بعائلة تتكون من أب وثلاثة أولاد، يحاولون الاحتفال بالعيد والحزن يلفهم جميعا، وينتشر داخل جدران المنزل بسبب فقدان الأم، فهي توفيت قبل فترة وجيزة، لكنها تركت لكل ولد من أولادها هدية، وكانت هدية الابنة الوسطى، التي كانت طوال الوقت منعزلة في غرفتها، مختلفة وغامضة وهي عبارة عن بيضة تلمع من الخارج وفيها ثقب مفتاح، لكن الابنة كلارا، تؤدي دورها النجمة ماكينزي فوي، لم تجد المفتاح كي تفتح هذه الهدية وتكتشف ماذا خبأت أمها لها، إنما وجدت فقط رسالة كتب عليها "كل ما تحتاجين إليه موجود في الداخل"، وهنا بدأ الصراع من أجل معرفة ماذا تخبئ لها هذه الهدية.

البداية من خيط ذهبي
حتى هذه اللحظات من الفيلم لم يعمل المخرجان السويدي لاسي هالستروم والأمريكي الحائز على الأوسكار جو جونستون على إظهار إبداعات "ديزني"، بل كانت جميعها مشاهد عادية تعطي المتفرج مقدمة جامدة إلى حد ما، وبعد لحظات الحيرة التي عاشتها كلارا قررت الذهاب واستشارة والدها الروحي، يدعى دروسي، يؤدي دوره الممثل مورجان فريمان، الذي قدم لها خيطا ذهبيا يقودها إلى المفتاح المرغوب.
بدأت المشاهد الجميلة تظهر رويدا رويدا، خاصة عندما دخلت كلارا عالم الثلج، فمشت على أرض يكسوها الثلج، تلمع فيها حبات كالذهب ويلف أشجارها بياض ناصع، تحاول أخذ المفتاح الذي يرهج داخل إحدى الشجرات، إلا أن فأرا مزعجا التقطه وهرب به. استشاطت كلارا غضبا وحاولت اللحاق به حتى وصلت إلى العوالم الأخرى، وعليها أن تقطع الجسر للوصول إلى العالم الثالث الذي يحمي الفئران وملكهم، وتسيطر عليه امرأة تدعى جينجر، تؤدي دورها النجمة هيلين ميرين، تلتلقي بجندي كسارة البندق ويدعى فيليب، وعندما علم أنها ابنة الملكة وقف إلى جانبها وساعدها لاستعادة المفتاح، فدارت معركة بينهما وبين الفئران انتهت بفشلهما والعودة إلى القصر من دون المفتاح، والقصر هو المكان الذي كانت والدة كلارا تترأسه، ويعد محور الفيلم وموضع التقاء العوالم الأربعة، وهو لا يشبه القصور المألوفة في القصص الخيالية الكلاسيكية، ملامحه متأثرة تأثرا كبيرا بالتصميم والمعمار الروسي، ويوجد داخله غرفة العرش التي تطل على كل عالم، لكن كي تدخل كلارا إلى هذه العوالم يجب عليها تجاوز الفارس، يؤدي دوره الممثل أوميد جليلي، والمهرج، يؤدي دوره الممثل جاك وايتهال، وهما حارسا القصر اللذان يُفضلان الهروب من الخطر بدلا من الإقبال لمواجهته.

الجلوس على عرش والدتها
دخلت كلارا في النهاية ذلك القصر ورأت عرش والدتها وأقاموا لها احتفالا ضخما في أرض الحلوى، التي تعد حلما لعاشقي الحلوى، تحيط بها جدران من النوجة، وأسطح بلاطها من الشوكولاتة، ونوافذ زجاجية ملونة مصنوعة من الحلوى المطهوة، تم استلهام فكرة الأرض من الجنية شوجر بلوم، تؤدي دورها الممثلة كيرا نايتلي، التي ترتدي فستانا مصنوعا من سكر مبلور، وبصفتها وصية على عرش هذا العالم وصديقة أيضا لوالدة كلارا المتوفاة، فهي تلقى كلارا بترحيب حار وتقدمها على أنها ضيف شرف في مسابقة مترفة، لكن كلارا بدورها وجدت أن جميع هذه الدمى المتحركة، التي تم بث الروح فيها من خلال آلة اخترعتها والدة كلارا يشعرون بالخطر، وعليها أن تأتي بذلك المفتاح لتشغيل ماكينة تبث الروح في الجنود كي يهاجموا العالم الرابع المشؤوم ويسيطروا عليه. ولقد كان الجميع يخاف من العالم الرابع، وكان يُعرف يوما ما باسم أرض الملاهي، لكن أرضه مهجورة وساحاته منسية بسبب نزاع عنيف أدى إلى طرد قائده، الأم جينجر، التي تتميز بشعرها الأحمر الناري والوجه المشقوق الشبيه بالدمية، وقائدة جيش من الفئران.
الحصول على المفتاح
وبعد معارك كثيرة، معها استطاعت أن تأتي بالمفتاح وفتحت هديتها، لكنها صدمت لأنها لم تجد إلا صوت الموسيقى الذي ينبعث منها فور فتحها، صدمت للوهلة الأولى وسرعان ما انتبهت للمرآة في داخل تلك البيضة وربطتها بما كتبت والدتها لها، "كل ما تريدينه يوجد في الداخل"، وهذه هي العبرة التي حاول الفيلم تقديمها، إن كل ما يريده الفرد يستطيع الوصول إليه بإرادته، حتى إن السعادة التي كانت تطمح إليها كلارا هي موجودة في داخلها، وهي تتحكم بها، فإما أن تخرجها وتعيش السعادة أو تستمر تائهة في عالم يسوده الحزن، فهل عرفت كلارا الحكمة من وراء هدية والدتها وكيف تصرفت معها؟
تميزت بعض مشاهد الفيلم بكثير من الموسيقى التصويرية الجميلة، ولعل هذا الأمر ناتج عن اقتباس بعض أحداث القصة من باليه "كسارة البندق"، أحد أكثر الأعمال الموسيقية الكلاسيكية ارتباطا بأجواء الشتاء، ذاك لما تحققه أحداث العمل البراقة والخيالية ورقصاتها شديدة التنوع، من متعة بصرية وسمعية، من خلال ألحان بيوتر اليتش تشايكوفسكي، المتدفقة والآسرة، التي تنفذ إلى الوجدان بغنائيتها الشفافة الحساسة.
وتعد موسيقى تشايكوفسكي في هذا الباليه رائعة بكل المعايير، فهي عمل ضخم أوركستراليا، استعمل فيه أوركسترا ضخمة، ففيه تؤدي آلات الأوركسترا جميعا، في توزيع رائع تظهر فيه مهارة وعبقرية المؤلف الفذة في التلوين الأوركسترالي، حتى إنه استخدم آلة جديدة تشبه البيانو اسمها "الشيلستا"، اخترعت في باريس عام 1886، صوتها سماوي كريستالي رقيق.

مقتبس من رواية
لم يتم اقتباس القصة من الباليه فقط، بل أيضا من قصة "كسارة البندق والملك الفأرThe Nutcracker and the Mouse King" وهي قصة لإرنست ثيودور هوفمان كتبت عام 1816، تحكي قصة الدمية المفضلة للطفلة كلارا التي أصبحت حية ناطقة، وبعد أن تمكنت من هزيمة الفأر الشرير أخذت كلارا بعيدا إلى مملكة سحرية تسكنها الدمى، تم إعادة قص الحكاية بواسطة أليكساندر دوما عام 1844، كما تم تحويلها إلى مسلسل إذاعي مكون من أربعة حلقات لبريان سيبلي.
يذكر أنه بدأ الإعلان عن العمل على الفيلم في مارس 2016، ووقع كثير من الممثلين في ذلك الصيف، وبدء التصوير في أكتوبر في استوديوهات "باينوود"، الذي استمر من يناير حتى ديسمبر 2017. وفي يوليو 2016 انضم ماكنزي فوي، ميستي كوبلاند، ومورجان فريمان إلى فريق التمثيل، وفي أغسطس انضمت كيرا نايتلي وهيلين ميرين، وفي سبتمبر انضم إيلى بامبر إلى فريق التمثيل، وفي أكتوبر انضمت ميراندا هارت، وفي مارس 2017، أكد أوجينيو ديربيز أنه قد تم تصويره في الفيلم، وفي وقت لاحق، جرى الكشف عن أن جاك وايتهول انضم إلى فريق التمثيل أيضا.
وكان قد حقق الفيلم إيرادات وصلت إلى 59 مليون دولار عالميا، حيث حقق الفيلم داخل الولايات المتحدة إيرادات وصلت إلى 20 مليون دولار، وخارجيا حقق 39 مليون دولار.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون