أوجه التوطين في قطاع النفط «4»

|
عودا على بدء، تناولت في المقالات الثلاثة السابقة من هذه السلسلة أوجه التوطين في قطاع النفط، وأنها - من وجهة نظر شخصية - ثلاثة أوجه لا رابع لها، هي: توطين المهن، وتوطين الخدمات، وتوطين الصناعة. ذكرت أن عملية توطين المهن قد تمت بنجاح، وأنني متفائل بأن نسبة السعودة سترتفع فيها بشكل ملحوظ، وذكرت أيضا أن خدمات حقول النفط والغاز كثيرة، وتنقسم إلى قسمين: خدمات أساسية وخدمات مساندة. اختتمت المقال السابق بأنه ليست هناك عوائق "فنية" لتوطين الخدمات المساندة، بخلاف الخدمات الأساسية التي تحتاج إلى وقت طويل لارتباطها المباشر بتوطين صناعتها بسبب طبيعة العقود. هل يعني ذلك أن توطين خدمات وصناعات قطاع النفط عموما وأنشطة "المنبع" خصوصا مهمة مستحيلة؟ أعتقد أن هناك بعض الخدمات الأساسية يمكن توطينها بشكل كامل، ومن ثم الانتقال إلى توطين صناعاتها. قد يختلف معي بعضهم في أن نقطة الانطلاق هي توطين الصناعة، ومن ثم توطين الخدمات التابعة لها. لست متشائما عندما أقول إن توطين الصناعات النفطية من معدات وتقنيات ليس أمرا سهلا؛ كونه يتطلب رؤوس أموال ضخمة، ومراكز متقدمة للأبحاث والتطوير، ونقل المعرفة المرتبطة ببراءات للاختراع، وحقوقا فكرية. لذلك، أرى أن التسلسل المنطقي والمجدي لتوطين الصناعة على المدى البعيد يبدأ بتوطين المهن، وتأهيل الكوادر الوطنية؛ لتصبح قادرة على القيام بجميع الأعمال والمهام المتعلقة بهذا القطاع، من خلال عملهم في الشركات العالمية الرائدة فيه. تنبثق من هذه الكوادر المؤهلة مجموعة من رواد الأعمال القادرين على توطين بعض الخدمات بالتعاون مع شركاء تقنيين عالميين، بحيث تمر هذه الشراكة "محددة الوقت" بعدة مراحل، وتحكمها شروط واضحة، كأن تنتهي هذه الشراكة ولو كانت شراكة طويلة المدى، بنقل المعرفة كاملة، والقدرة التامة للشريك الوطني على توطين الصناعة بشكل تام، بحيث يكون المنتج سعوديا، ومقدم الخدمة شركة أو مؤسسة سعودية، وبأيد سعودية. قد يرى بعضهم أن هذا النموذج مبالغ فيه، ومحال تطبيقه على أرض الواقع، أن نرى في المستقبل شركات سعودية تحقق توطينا شاملا لأوجه التوطين الثلاثة محل هذه السلسلة من المقالات، وهي: توطين المهن، وتوطين الخدمات، وتوطين الصناعة. أما أنا فمتفائل جدا، وبصفتي ابنا لهذا القطاع، فإن هذا النموذج قابل للتطبيق على بعض الخدمات غير المعقدة أو متوسطة التعقيد، وليس بالضرورة أن يكون مناسبا للخدمات المعقدة، بل أراه صعبا جدا. متفائل جدا بأن نرى هذا النموذج حقيقة نلامسها على أرض الواقع خلال السنوات العشر المقبلة، من خلال شركات سعودية يشار إليها بالبنان. تحقيق هذا النموذج يتطلب تجاوز بعض العقبات التي ستواجه رواد الأعمال السعوديين "الحالمين"، ولعلي أفرد لها - إن شاء الله - مقالا يتناولها بالتفصيل، مع بعض الحلول المقترحة لتحقيق ذلك. نحن في عهد التمكين في ظل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، حفظه الله، وولي عهده الأمين، الذي قال "أنا أعيش بين شعب عظيم، يمتلك همة كأنها جبل طويق، وهمتهم لن تنكسر إلا إذا نكسر الجبل وتساوى بالأرض، وهذا ما يمكنهم دائما من تحقيق أي هدف يضعونه نصب أعينهم"، ولذلك أنا مؤمن بتحقيق هذا النموذج، بإذن الله.
إنشرها