الكرة الأرضية .. وتخريب المنظومة البيئية

|
في الشهر الماضي حذرت الأمم المتحدة من أن درجات حرارة الجو سوف ترتفع بمقدار 1,5 درجة مئوية فيما بين عامي 2030 و2052، وذلك إذا استمرت ظاهرة الاحتباس الحراري بوتيرتها الحالية، وشددت المنظمة في تحذيراتها أنه إذا تقاعس العالم عن اتخاذ إجراءات سريعة وعاجلة، فإن الحياة فوق كوكب الأرض سوف تكون غير ممكنة. وعلى الرغم من أن التقارير التي أخذت تصدرها المنظمات الدولية المتخصصة أضحت تتسم بالحدة والتحذير الشديدين، إلا أن الدول العظمى مثل الولايات المتحدة والصين واليابان وبعض دول الاتحاد الأوروبي لم تلتفت بصورة جدية إلى هذه التحذيرات ولم تعرها اهتماما، بل استمرت في تخريب البيئة وتلويث المناخ. إن مراكز الأبحاث والدراسات العالمية ما فتئت تصدر التقارير المخيفة عن مستقبل الإنسان فوق كوكب الأرض، وبالأمس القريب تلقى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة تقريرا مفزعا يقول إنه ليس أمام العالم إلا سنة واحدة للتحرك كي يمنع سلسلة من الانهيارات في منظومة التوازنات البيئية التي هي أساس بقاء الإنسان فوق كوكب الأرض مثل المحافظة على استقرار المحيطات والموارد الطبيعية الأساسية لحياة الإنسان، ويلمح التقرير إلى أن نصف الغابات التي كانت تكسو الكرة الأرضية لم يعد لها وجود، وثلاثة آلاف مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون تسمم الجو سنويا، ومليارات من الأطنان هي كمية النفايات التي ينتجها الإنسان يوميا فوق كوكب الأرض، مع الزيادة المتطرفة في معدلات عدد السكان حيث بلغت ستة مليارات نسمة في مطلع القرن الحالي، وسبعة مليارات اليوم، وينتظر أن تبلغ عشرة مليارات نسمة قبل حلول عام 2050، بينما 40 في المائة من سكان الأرض يعاني شح المياه العذبة! إن التقارير التي صدرت من المنظمات الدولية تؤكد أن نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو هو المسبب لظاهرة الاحتباس الحراري، وهذا الغاز ارتفع إلى 380 جزءا في المليون بعد أن كان 272 جزءا في المليون قبل الثورة الصناعية، وهو ما أدى إلى ارتفاع درجة الأرض درجتين كاملتين مقارنة بالوضع الذي كانت عليه قبل الثورة الصناعية. ولقد أصدرت منظمة الأمم المتحدة تقريرا يتوقع أن ترتفع درجة حرارة الأرض بمعدل ثلاث إلى أربع درجات في بعض الدول بحلول عام 2050، وهو ما يشكل زيادة غير طبيعية في حرارة الأرض، وإذا حدث هذا ـ لا سمح الله ـ فإن الحرارة ستتسبب في حدوث آثار كارثية على البشرية جمعاء منها ارتفاع منسوب مياه البحار ما بين 34 و52 سم، ولا شك أن هذا التغيير السيئ في المناخ سيؤثر سلبا في الإنسان المكلف بعمارة الأرض وسيترتب على ذلك انخفاض في معدل النمو الاقتصادي، بل إن معدلات التنمية المستدامة في كل دول العالم سوف تتراجع إلى مستويات متدنية. ويؤكد خبراء البيئة أن الحرارة إذا ارتفعت درجتين مئويتين، فإنها ستؤدي بالضرورة إلى نقص ملحوظ في المحاصيل الزراعية، كما ستؤدي إلى ارتفاع قياسي في درجة الحرارة التي ستنجم عنها موجات من الأعاصير المدمرة التي تضر بالحياة على الأرض. إن هذه التغيرات في طوبوغرافية الأرض وحرارتها أدت إلى تغيير دراماتيكي في خريطة الأمراض المنتشرة فوق الكرة الأرضية، فبعد أن أصبحت كثير من الأمراض الفتاكة من مخلفات الماضي، عادت هذه الأمراض بشراسة أكبر ومخالب أخطر ولم تعد أدوية المضادات الحيوية التي اكتشفها الإنسان ـ بعد جهد جهيد وسنوات طويلة وأموال كثيرة ـ قادرة على القضاء عليها. وهذا كاف لإحداث اختلال في التوازن الطبيعي للكرة الأرضية وهو ما أدى إلى حدوث الكوارث الطبيعية المروعة كالزلازل والبراكين والأعاصير والفياضانات التي شهدتها خلال الأيام والسنوات القليلة الماضية إندونيسيا وهاييتي وباكستان وروسيا واليابان وغيرها من المناطق في أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية. المخيف في هذه الأيام أن بعض العلماء تكررت تحذيراتهم من أن كوكب الأرض سيتعرض إلى انفجار أكبر بركان في العالم، وهو البركان النشط الموجود في منطقة بول ستون بارك في وسط أمريكا، ويؤكد الجيولوجيون الأمريكيون أن الحمم المنصهرة من هذا البركان كافية لتغطية أمريكا كلها بالحرائق، والخطر الأكبر هو وصول هذه الحرائق إلى مخزون السلاح النووي الأمريكي، التي إذا وصلت ـ لا سمح الله ـ إلى المخزون فإنه قادر على تدمير الكرة الأرضية بمن فيها وما فيها. ومن ناحيتهم فإن صناع السينما في الولايات المتحدة يجهدون في هذه الأيام لإنتاج أفلام تصور نهاية العالم بافتراض سقوط كويكب من الفضاء الخارجي على كوكب الأرض، أو سقوط نيزك ماتيلدا على الأرض، وكل الأفلام التي تعالج هذا النوع من القضايا تؤكد في النهاية أن الإنسان الذي لوث كوكب الأرض وألحق بالبيئة أضرارا بالغة لم يعمل بجد لإنقاذ الأرض من الخراب الذي ألحق بها، وما زال الإنسان يسيء إلى الأرض التي احتضنته. إن المسؤولية تطول كل إنسان يعيش فوق كوكب الأرض وتطالبه من موقعه أن يرفق بالبيئة، وأن يكون من حماتها المسؤولين، بمعنى المطلوب من السياسيين أن يعملوا على إيقاف وإلغاء كل المشاريع المؤذية للبيئة وأن يقروا كل المشاريع والبرامج التي تحافظ على بيئة نظيفة فوق كوكب الأرض، والمطلوب من المثقفين أن يضعوا البيئة النظيفة في مقدمة أعمالهم وأن يكتبوا باستمرار عن البيئة النظيفة، كذلك المطلوب من السينمائيين أن ينتجوا أفلاما تركز عناوينها على أهمية حماية كوكب الأرض من التلوث، ومطلوب من الصناعيين أن يستخدموا المواد النظيفة في مصانعهم، ومطلوب من مؤسسات التعليم أن تدرس الطلاب أهمية نشر الوعي البيئي في المجتمعات، ومطلوب من رجل الشارع العادي أن يحافظ على البيئة النظيفة ابتداء من بيته ومن عمله ومن الشارع الذي يسكنه. ومع الأسف الشديد، وبمرور الوقت واستمرار عبث الإنسان بالبيئة وتخريب المنظومة البيئية، فإن الكرة الأرضية ستصل إلى مرحلة الرفض لكل ما يفعله الإنسان من تخريب وإهمال وتدمير للحياة الطبيعية فوق كوكب الأرض.
إنشرها