صور صديقي

|
زارني صديقي أثناء دراستي في مانشستر بالمملكة المتحدة. خرجنا في وقت صحو نسير معا على ضفاف المدينة الإعلامية. أثناء عبورنا على الجسر الذي يربط المدينة الإعلامية بمنطقة "سالفورد كيز" المتاخمة طلب مني زميلي أن أتوقف. أخذ يمتدح المشهد الذي نمخر عبابه. أخبرني أن بوسعه أن يلتقط لي صورة بديعة وأنا أقف على الجسر ومباني المدينة الإعلامية تضيء خلفي وتنعكس صورتها على النهر أمامي. استل كاميرته الاحترافية من الحقيبة التي يضعها على كتفه. استلقى على الأرض ليأخذ صورة بانورامية وهو يسن العدسات الكبيرة التي تبدو كفوهة بندقية تتأهب لاقتناص فريستها. التقط لي أكثر من صورة وهو مستلق. ثم نهض وأخذ أخرى من زاوية مختلفة. استعرضها أمامي عبر شاشة الكاميرا، واعدا بإرسالها إلى بريدي بجودة عالية وشيكا. شعرت بنشوة كبيرة إزاء حرصه واهتمامه. ردا للدين، طلبت منه أن أقوم بتصويره ففاجأني بتعليقه: "لا يهم أنا الآن. المهم أنت". جمعتنا رحلة عمل في الجوف. وخلال زيارتنا إلى "أعمدة الرجاجيل" أحد المواقع الأثرية المدهشة استوقفني وقال بصوت عال: "عبدالله، هذه صورة خلاقة. أرجو أن تمنحني شرف التقاط صورة لك وأنت تقف أمام هذه الأعمدة التاريخية". ابتسمت وسلمت نفسي لعدسته التي ترافقه أينما حل وارتحل. أخذ لي عدة صور من عدة جوانب. صعد في سبيل إحداها على صخرة كبيرة حتى يقتنص لقطة مميزة. شكرته بوفرة، وتعاظم الامتنان في داخلي تجاه حرصه وجهده وتفانيه وقبل ذلك مبادرته. بعد عدة أشهر من الحدثين التقينا من جديد وسألته عن الصور الجميلة التي التقطها ووعدني أن يبعثها لي. بعد عدة أيام وصلتني جميع الصور التي التقطها مع رسالة لا يمكن أن أمسحها. احتفظ بها في إيميلي وصدري: "عبدالله، عندما التقطت لك هذه الصور كان هدفي الرئيس هو إسعادك في تلك اللحظات وليس إرسال الصور لك". واختتمها: "من واجبي تجاه أصدقائي الذين أحبهم أن أحيل لحظاتهم العادية إلى سعيدة إذا استطعت. أرجو أنني فعلت ذلك". تعلمت من هذا الصديق الاستثنائي درسا جليلا. فرغم أنه ليس مصورا محترفا وإنما قيادي في مجال مختلف إلا أنه أخذ زمام المبادرة وأدخل السعادة والسرور إلى أعماقي بسلوك ذكي ومبتكر. استذكرت بعد رسالته كم كانت معنوياتي مرتفعة، وقتئذ. شعرت بسعادة تغمرني. ثمة مبادرات صغيرة تجعل الآخر يفرح ويبتسم ويحلق، أرجوك، لا تدخرها، أنفقها.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها