FINANCIAL TIMES

أكتوبر المخيف .. الخسائر في كل ركن من أسواق المال

مؤشر "فاينانشيال تايمز" لعموم العالم خسر في هذا الشهر حتى الآن 7 في المائة – أسوأ أداء له منذ ذروة أزمة منطقة اليورو في عام 2012.
من بين 3211 عضوا في المؤشر المرجعي لأسواق الأسهم العالمية، فقد ثلث الأعضاء الآن أكثر من 20 في المائة من قيمتهم هذا العام بالقيمة الدولارية. وانخفض أكثر من النصف 10 في المائة على الأقل. وحتى نهاية يوم الثلاثاء كانت 851 شركة فقط لا تزال في المنطقة الإيجابية هذا العام.
انتشر ألم المستثمرين على نطاق واسع. فئات الأصول الرئيسة الوحيدة التي بقيت في المنطقة الخضراء هذا العام هي أسهم الشركات الأمريكية الكبيرة، والسندات الأمريكية غير المرغوب فيها. باستثناء هاتين الفئتين، عانى المستثمرون خسائر في كل ركن رئيس تقريبا من الأسواق المالية. حتى "ستاندرد آند بورز 500" ومؤشر السندات غير المرغوب فيها في "بانك أوف أميركا" ارتفع الآن 2.5 في المائة فقط لهذا العام.
خلف هذا التطور مجموعة معقدة من العوامل التي أثارت توتر المستثمرين. ربما بدأ تشرين الأول (أكتوبر) بقلق المستثمرين من ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية وارتفاع عائدات السندات، لكن مع اقتراب نهاية الشهر أصبحت مخاوف النمو المعهودة هي ما يثير قلق المستثمرين في المقام الأول.
مؤشر سيتي للمفاجآت الاقتصادية العالمية – الذي يقيس مدى تواتر كون البيانات أفضل أو أسوأ من المتوقع – ظل في منطقة سلبية منذ نيسان (أبريل). هذه هي أطول فترة تحت الصفر منذ أربع سنوات. علامات الزخم الاقتصادي المتلاشي دفعت صندوق النقد الدولي إلى إزالة 0.2 نقطة مئوية من توقعاته للنمو العالمي في عامي 2018 و2019، لتصبح التوقعات الجديدة 3.7 في المائة لكلا العامين.
وتشير الأسواق إلى أن التباطؤ قد يكون أكثر حدة. انخفض قطاع المواد العالمي أكثر من 20 في المائة منذ ذروته في كانون الثاني (يناير)، وذلك هو التعريف الأنموذجي لكونه في سوق هابطة. الزوايا الأخرى من النمو الحساس للدورة في سوق الأسهم – مثل شركات إدارة الأصول – عانت أيضا انخفاضات حادة في الآونة الأخيرة.
ومع أن الاقتصاد الأوروبي تعطل إلى حد ما، إلا أن أكبر سبب حالي للمخاوف المتعلقة بالنمو العالمي يتمثل في الصين. تباطأ الاقتصاد الصيني تدريجيا منذ عام 2014، بينما تحاول السلطات هندسة هبوط لطيف ـ بعد فورة نمو طويلة مدفوعة من البناء والديون ـ يتمحور حول أنموذج يقوده مزيد من الاستهلاك. لكن بكين أعلنت الأسبوع الماضي أن وتيرة التوسع الاقتصادي تباطأت إلى 6.5 في المائة في الربع الثالث، وهي نسبة أدنى من التوقعات وعلامة على أبطأ قراءة منذ حضيض ما بعد الأزمة العالمية في عام 2009.
إلى جانب تأثير الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، أدى هذا إلى انخفاض مؤشر الأسهم في البر الرئيسي "سي. إس. آي 300" بنسبة 21 في المائة هذا العام، وانخفاض مؤشر هانج سينج في هونج كونج 15.3 في المائة. في الوقت نفسه انخفض الرنمينبي، المدار بشدة، 10 في المائة مقابل العملة الأمريكية، ويقترب مرة أخرى من مستوى سبعة رنمينبي للدولار الذي شهدناه آخر مرة في أوائل عام 2008.
في الآونة الأخيرة زار الصين اقتصادي من مصرف ستاندرد تشارترد وأعلن للعملاء الأسبوع الماضي أن الآراء بشأن الصين "ضعيفة".
وقال المصرف في تقرير: "زيادة حالات التخلف عن سداد الديون، ومزادات الأراضي الفاشلة، وعمليات إنقاذ الشركات المدرجة، هي أعراض لمشاكل أعمق، وفقا للخبراء الذين تحدثنا معهم". وأضاف: "التوترات التجارية مع الولايات المتحدة التي من المتوقع استمرارها، تزيد من صعوبة معالجة نقاط الضعف المحلية، مثل الطاقة المفرطة والرفع المالي العالي".
في غضون ذلك يفكر المستثمرون في مواجهة متنامية بين الحكومة الإيطالية والاتحاد الأوروبي بشأن الإنفاق العام، عاكسة أصداء أزمة الديون اليونانية.
الائتلاف الشعبوي الذي يحكم ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو – عضوها الأكثر مديونية – اتخذ موقفا صريحا مناهضا للتكامل الأوروبي وينوي زيادة الإنفاق العام في وقت تقول فيه المفوضية الأوروبية إنه بحاجة إلى تخفيضه.
ومع زيادة الاعتراض من وكالات التصنيف الائتماني، تنزلق أسعار السندات الإيطالية، ما يشكل تحديا لمصارف البلاد – وهي واحدة من أكبر حاملي سنداتها السيادية. انخفاض أسعار السندات يسري في الميزانيات العمومية للمصارف ويعود إلى سوق السندات في عملية يطلق عليها "حلقة الهلاك".
ويقدر بعض المحللين أن عائدا بنسبة 4 في المائة على السندات لأجل عشرة أعوام هو الحد الحاسم الذي إذا تعدته تصبح ديون إيطاليا غير مستدامة من منظور مالي. ويتم تداولها في الوقت الحالي عند نحو 3.59 في المائة، بعد ارتفاع بنسبة عشر نقاط أساس أخرى يوم الثلاثاء. وقالت روما إنها ستتخذ إجراء ما إذا وصل فرق الربح للسندات لأجل عشرة أعوام مع السندات الحكومية الألمانية إلى 400 نقطة أساس ـ حاليا الفرق 318 نقطة أساس. بالانتقال غربا، لا يزال الاقتصاد الأمريكي، على عكس بقية العالم، يبدو في حالة جيدة. مع ذلك، بدأ المستثمرون يشعرون بالقلق من أن نمو أرباح الشركات الذي شهدناه في وقت سابق من هذا العام لن يصبح أفضل مما هو عليه، نظرا إلى ارتفاع تكاليف الأجور، وفواتير الفوائد، وأسعار المواد. علاوة على ذلك، تأثير تخفيض الضرائب عام 2018 يزيد من صعوبة التغلب على نتائج هذا العام في عام 2019.
قال مايكل أندرهيل، كبير موظفي الاستثمار في "كابيتال إنوفيشنز": "النقاش في اجتماعات لجنة الاستثمار ومع المستثمرين هو: هل وصلنا إلى ذروة الأرباح وهل وصلنا إلى ذروة التقييمات؟".
وغذت هذه المخاوف نتائج الربع الثالث لكل من "إم ثري" و"كاتربيلار"، وهما اثنتان من الشركات الصناعية الرائدة في الولايات المتحدة التي أعلنت نتائجها يوم الثلاثاء. خفضت "إم ثري" توقعات أرباحها. وفي حين أن أرباح "كاتربيلار" تجاوزت التوقعات، إلا أن تحذيراتها من ارتفاع تكاليف المواد أثارت قلق المستثمرين. وساهمت نتائج كلتا الشركتين في السرد المتعلق بـ "ذروة الأرباح".
قال جيسون براون، كبير استراتيجيي الاستثمار في "فندإكس"، شركة الاستشارات الاستثمارية وإدارة الأموال: " لديك الاحتياطي الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة، وارتفاع تكاليف المدخلات، وسوق عمل ضيقة، وضغوط الرسوم الجمركية – هذه قصة حول ذروة الأرباح".
على الرغم من أنه لا يزال من المتوقع إلى حد كبير أن تنمو أرباح الشركات بمعدلات صحية، إلا أن محللي "بانك أوف أميركا" يشيرون إلى أن مكافأة سعر الأسهم من أجل تجاوز التوقعات تلاشت بشكل حاد في الربع الثاني. في موسم الأرباح الحالي، تميل الشركات إلى التراجع على الرغم من حالات تجاوز ضئيلة للأرباح – للمرة الأولى منذ عام 2000 على الأقل. هذا أحد "دلالات السوق الهابطة" من وجهة نظر "بانك أوف أميركا".
ربما توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق تجارة جديد مع المكسيك وكندا ليحل محل صفقة "نافتا" التي كان ينتقدها دونالد ترمب، لكن واشنطن لا تزال على خلاف مع الصين، وتفرض تعرفات جمركية بقيمة 250 مليار دولار على البضائع الصينية وتطالب بتغييرات كاسحة في السياسات الاقتصادية للبلاد.
بعد تلميحات متقطعة لإذابة الجليد، يبدو أن الوضع المعقد وصل إلى طريق مسدود. وما لم يحدث تقدم في الأسابيع المقبلة، من المتوقع أن تطبق إدارة ترمب تعرفات جمركية أخرى بقيمة 200 مليار دولار – ومن الممكن أن تفرض عقوبات على جميع الواردات الصينية.
يمكن يضرب هذا الأسواق الأمريكية والصينية، فضلا عن كثير من الشركات الأوروبية المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية.
اندفعت أسواق السندات يوم الثلاثاء في الوقت الذي دفعت فيه اضطرابات سوق الأسهم المستثمرين إلى التوجه نحو الأمان النسبي للسندات الحكومية ذات التصنيف العالي، مثل سندات الخزانة الأمريكية والسندات الحكومية الألمانية وسندات الحكومة البريطانية. لكن لا يزال المستثمرون قلقين بشأن تأثير أسعار الفائدة المتصاعدة على أسواق الدخل الثابت وأسواق الأسهم.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES