المشراق

كان أمس مثل اليوم واليوم مثل أمس

يزخر تراثنا بالكثير من الأساطير الشعبية، والقصص المسلية التي يرويها الأجداد للأحفاد لأغراض متعدد كالتربية والتسلية، ومنها هذه القصة العجيبة التي رواها الراوية عبد الله السليم على أنها وقعت في أول القرن الثالث عشر الهجري، ومفادها شخصا اسمه مقعد وجاره زيد كانوا جميعا يشدون وينزلون يتبعون الغيث ومنابت الحشيش والعشب لمواشيهم، زيد له ابن اسمه "عشيان" ومقعد له بنت اسمها "فيحاء" وكان يسرح بإبل أبيه، وكانت فيحاء تسرح بغنم أبيها ويجتمعان سويا في مراعي مواشيهما، وهذه عادتهما يسرحان مع مواشيهما في الصباح ويعودان في المساء يجتمعان على عفة وطهارة ويتفرقان عليها، فلما جاء وقت زواجهما اتفق الأبوان أب الابن وأب البنت على زواج الولد على البنت فانعقد الزواج وحصلت الملكة فأصبحت البنت فيحاء زوجة لعشيان وعقد هذا الزواج والملكة وحضرة الولد عشيان وعلم به، أما البنت فيحاء فلم تعلم به ولم تدر ما صار من ذلك بشيء، بل إن أهلها أخفوا هذا العقد والزواج عن البنت وفي أحد الأيام على عادتها في البر عند مواشيهما قام عشيان يداعب البنت ويلاعبها ويمازحها لأنها زوجته فلما رأت البنت منه هذا العمل نفرت منه وتغير شعورها إلى الغضب والكراهية له، وقالت له: نزغك الشيطان املك نفسك، تعوذ من الشيطان. فقال لها: إنك زوجتي أملك لي أبوك عليك. وقالت: إخس رح وراك ما أنت بزوجي ولم يخبروني أهلي بذلك. ثم كرر عليها أنك زوجتي فرفضت قوله وابتعدت عنه فقرب منها فلما رأت أنه أقوى منها وسيغلبها على أمرها وكانت بنتا شريفة عفيفة محصنة تفضل الموت ولا ينال منها شيئا عند ذلك أبدلت حالتها الأولى بالطاعة والتسليم فأمن منها فلما قرب منها أصابته في مقتل فوقع صريعا على الأرض قد فارقها وفارق الحياة معها.
ثم أنها قامت وساقت غنمها وإبل زوجها ولكنها المسكينة لم تدرِ أنه زوجها وحليلها فلما أقبلت على أهلها وأهل زوجها استنكروا ذلك قالوا ما الخبر فأخبرتهم بالخبر وأن عشيان تعدى عليها وبغاها في نفسها وعرضها حتى قتلته قال لها أهلها وأهله إنه زوجك قالت: زوجي؟ قالوا: نعم، إنه زوجك أملكناه عليك قالت: ما أخبرتوني ثم صاحت بأعلى صوتها على فراق زوجها وبكت وزاد فيها الهم والندم والبكاء والعويل حتى تتابعت عليها الليالي والأيام وهي لا يقر لها قرار في ليل ولا نهار فيما حل بها من الشوق والهيام والغرام والندم على ما جرى منها وما حل بها من فقدها لزوجها، فقالت الذنب ذنب أهلي والجهل والخطأ منهم لم يعلموني ثم زاد ألم الشوق والغرام والهيام والهم والندم فأصابتها المصيبة حتى لحقت بحبيبها وزوجها. فقالت هذه الأبيات ثم فارقت الحياة: ندما وحسرة:
عديت بالمرقاب وأوميت بالخمس
وأقول يا هجر النيا وين خلي
خلي عقد لي عقدتين بلا لمس
وأنا اعقد له عقدة ما تحلى
كان أمس مثل اليوم واليوم مثل أمس
وإن كان باكر مثلهن زاد غلي
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق