المشراق

اقرأ التاريخ واكتبه بلا قلب

لا تستطيع أن تقرأ بوجه عام أي علم أو أن ترى عوالم الجمال الآسرة بأسرها - باعتبار العلوم من عوالم الجمال - وأنت مطبق العينين، إلا عند قراءة الأفكار، وقراءة السطور للعبور إلى ما وراءها.
حين تقرأ وعيناك مفتوحتان لا تقرأ بهما، اقرأ ببصيرتك لا ببصرك، كما لو أنك مطبقهما، اقرأ ما وراء السطور بعقلك لا بقلبك. غيب قلبك حين تقرأ التاريخ، اقرأ بلا شعور وبانفصال تام عن مشاعرك وتصوراتك العتيدة، ولعل الأخيرة ستكون نتاجا حتميا لما ستقرأه، هذا جيد؛ لأن ذلك يعني أن عقلك بخير وأنه يعمل، لكن بشكل مقولب. اكسر القالب وفكر بطريقة أخرى حتى تصل إلى نتائج غير حتمية، وإن حاصرتك حتمية الأحداث والوقائع، فاقرأ التاريخ وكأنه رواية ذات نهاية مختلفة، فلا تتوقع المتوقع، وتوقع اللا متوقع، وانهج الفلسفة الهيجلية المتبلورة في: "الواقع زائف أو هو لا يمثل الحقيقة النهائية، فالوقائع المعطاة التي تبدو للذهن العادي مظهرا إيجابيا للحقيقة، هي في واقع الأمر سلب لهذه الحقيقة، حتى إننا لا نستطيع الوصول إلى الحقيقة إلا بهدمها. وهذا واضح طوال عصور التاريخ المختلفة التي يكشف فيها التطور عن زيف الواقع الحاضر الذي يدمره بانتقاله إلى مرحلة أخرى". واستحضر الفلسفة الرستمية: "لا بد للمؤرخ العصري المدقق من ولوج باب آخر، كي يتمكن من الوصول إلى الحقيقة، عليه أن يقلِّبَ ما قمَّش، ويمعن النظر فيه؛ ليرى إذا كان بإمكانه أن يدرك كنهه، فيستعمله في تشييد ما يَبني من صروح التاريخ، وإذا فعل سرعان ما يشعر بحاجته إلى ما نريد أن نسميه بالعربية "العلوم الموصلة". لنتوقف قليلا، هيجل يرى أنه لا توجد حقيقة نهائية؛ لأن الواقع بوقائعه معرض للتطور والتدمر عبر التاريخ، بينما أسد رستم يرى أنه يمكن الوصول إلى الحقيقة بعد تجميع المادة التاريخية والتأمل فيها والاستعانة بالعلوم المساعدة للتاريخ، وأمام هذا وذاك هل توجد حقيقة تاريخية كاملة أو مثالية ماثلة أمام أعين أعيان المؤرخين؟
تفسير المؤرخ حين يكتب الحادثة التاريخية في حينه قد يغاير الواقع تماما، وربما يُضمّن جزءا من الحقيقة التاريخية التي تكون محل صواب وخطأ، أضف إلى ذلك أن ذاك الجزء من الحقيقة معرض لشوائب الهوى، وبالتالي لا توجد حقيقة تاريخية كاملة أو مثالية.
وحين تكون كاتبا للتاريخ تفرغ من هوى النفس وكل أهواء الهوى، فلا تكن سخاويا معلنا بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ، إذ ستظهر متحيزا لعلم التاريخ، ولا تحذو حذو من يشط عنوان كتابه عن لبه أو أن يجيء اللب بعيدا كل البعد عن العنوان، بل اجعلهما متفقين، أما محتوى كتابتك التاريخية فحرم عليها التعميم؛ لأنك ستظهر بنتيجة مشوشة ورؤية عمياء، وفي ذلك يقول جوستاف لوبون "أدى التعميم، كمنهج تاريخي، إلى أحكام متناقضة تناقضا يجعل الحقيقة أمرا يصعب تمييزه، وذلك في موضوعات أساسية". حين تكتب التاريخ استحضر الهدف واستشعره، استجلب أدواتك كمؤرخ، فكن ناقدا لا ناقلا. كن متسائلا لا مسلّما، كن قريبا من صوت عقلك ملجما لصوت قلبك، فإذا كنت محبا للتاريخ بصدق فليقرأه ويكتبه عقل قلبك بسلام.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق