أعمال المساندة .. بعيدا عن الأضواء

|
لا تسقط الأضواء على الجميع بشكل عادل، في كرة القدم هناك من يسدد الأهداف وينال النجومية وهناك من يصنعها تخطيطا وإعدادا وتنفيذا ومع ذلك لا ينال إلا قدرا يسيرا من لفت الانتباه. وفي كل عرض ساحر هناك من يصفق له الجميع وهناك من يكون دائما خلف الكواليس. وفي كل منشأة هو الحال كذلك، فريق يتوشح إدارة الأعمال وفريق يقدم الدعم والخدمات له؛ ولا تقوم قائمة للأول بدون الثاني على الرغم من أن النجومية للأول في العادة، حتى القيادة التنفيذية العليا تصبح مشلولة عاجزة إذا لم يكن لديها سكرتارية تنفيذية على مستوى عال من الاعتمادية وحسن الأداء. وفريق المبيعات الرائع لا يتمكن من إدارة عملائه المحتملين إلا بفريق آخر رائع يدعمه بشكل مستمر، ولكن ربما لا ينال العمولات نفسها التي ينالها البائعون. هي مفاصل تسمح لكامل الجسد بالتحرك وتجهيزات ضرورية تسمح للنتائج بالتحقق، وليس هامشا من الدعم أو مساندة تكميلية، وإنما جزء أساسي من المنظومة التي يتم تصميمها وترتيبها لتعمل بالشكل المطلوب. ولكن، حصول الجميع على الأضواء ليس هدفا في حد ذاته، على العكس، ربما من الأفضل أن تكون النجومية بارزة لجزء من الفريق أو لنموذج من عناصر النجاح وليس كل العناصر. في معظم الحالات هذا أكثر اتساقا لحضور الفريق أو المنشأة مجتمعيا وسوقيا، هناك من يقوم بالعمل وهناك من يلفت الانتباه. المهم في نظري أن ينال هؤلاء (جميع عناصر النجاح بلا استثناء) العدالة في الجوهر وليس في المظهر فقط. ماذا يعني هذا؟ أي أن يحصل من يعمل بعيدا عن الأضواء ومن يكون خلف الكواليس ومن يسمح للفريق أو المنشأة أن تخطو خطواتها الكبيرة بلا تفويت ولا تعطيل على حقوقه بالشكل نفسه الذي يحصل عليه من هو دائما تحت الأضواء. ولست أتحدث عن المنافع المادية فقط، وإنما هذا يشمل عددا من الحقوق الأخرى مثل الاهتمام والاحترام والتطوير والتدريب وغير ذلك. هناك تعارضات وتحيزات تحدث بشكل عفوي ولا ينتبه لها في العادة المسؤولون عن قيادة الفريق الناجح وهي ما يؤجج من هذه المشكلة. أولا، وكما يقول المثل: "البعيد عن العين بعيد عن القلب"، وكما هو معروف فإن طبيعة أعمال المساندة تحدث بشكل غير ظاهر للجميع، خصوصا من هم خارج المنشأة، بينما يركز القادة التنفيذيون في العادة على ما يظهر للآخرين ويمكن رؤيته من الخارج. وما يزيد من الضغط على أعمال المساندة ومن يقوم بها، أنهم في العادة في مقدمة ضحايا برامج إدارة التكاليف والتقليل من المصروفات، وهذا يجعل المنشأة تعمل بعد ذلك بشكل مضطرب إذ يختل توازنها بالنقص في الوظائف المساندة والزيادة في الوظائف المتخصصة والفنية، والأمثلة عديدة سواء نظرنا إلى الجامعات والمستشفيات أو الشركات والجهات الحكومية. كذلك، هناك اعتقاد سائد بأن الأعمال الرئيسة هي عصب الحياة في المنشأة فشركة المبيعات قائمة على فريق المبيعات والمصنع قائم على المهندسين ومركز الأبحاث على الباحثين، وهذا صحيح إلى حد ما، ولكن قيمة هؤلاء المتخصصين مجتمعين لا تعني شيئا إذا لم يعملوا ضمن منظومة متكاملة يتم فيها تنسيق وتيسير بقية التحديات بشكل يصنع من اجتماعهم قيمة جديدة. وهذا هو الفارق بين العمل المؤسسي وبين أي تجمع آخر، إذ تكون بقية عناصر المنظمة غير المتخصصة جزءا رئيسا وربما الضابط الأكبر للتنسيق والتآزر synergy، هم في الحقيقة من يصنع الإيقاع داخل أي منظمة. يستحق من يتميز وهو خلف الكواليس اعترافا بتميزه، وهذا الحد الأدنى من تقدير الجهود واحترام الوجود. الاعتراف بالمجهود والشهادة والثناء لمن ينتج ويسهم بجد حق أساسي من حقوق من يعمل إداريا أو مساندا أو منسقا. واستمرارا لهذه الحقوق، يأتي حق التطوير والتدريب، سواء كان الحصول على التدريب المباشر المخطط له بشكل تطويري مناسبا لشخص المتلقي وطموحاته وطبيعة عمله، أو كان تطويرا للسياق الذي يعمل به، من إجراءات وسياسات وبيئة عمل. كثيرا ما يتكرر تطوير الأداء في أقسام محددة وتترك أخرى بدون نظم تقنية ولا إجراءات محدثة ولا تطوير، وهذا خلل فادح. ولا نتجاهل كذلك الحقوق المادية، فبعض الفروقات في التعويضات المادية تحكمها الندرة والتخصص وخلافه، غير أن بعض القيادات تبالغ في التفرقة بين فرق المقدمة وفرق الدعم، جهلا منهم بسوق العمل أو تجاهلا للتوزيع العادل لهذه التعويضات، ثم يستغربون كثرة الاستقالات ويبررون ذلك بخطف الموظفين من الخارج أو بجريهم خلف الفروقات البسيطة، كما يدعون! لا تعتبر أعمال المساندة اليوم غير متخصصة، بالعكس، هناك من التخصصات الحساسة والمهارات الفنية الدقيقة في أعمال المساندة ما يندر فعليا الحصول عليه، سواء على مستوى أعمال السكرتارية التنفيذية أو المالية أو حتى الدعم التقني واللوجستي، بل إن نماذج الأعمال اليوم باتت تتغير بشكل سريع تشتهر فيه المنشأة بتخصصها في مجال معين، ولكن أعمالها تسير في الواقع بشكل مغاير تماما يقوم على الأعمال المساندة وتميزها الاستثنائي.
إنشرها