تأسيس شركات للاستثمار في العواطف البشرية

|
تطرقت لموضوع "التوتر" في مقال سابق، فذكرت أنه ليس ضمن طبيعتنا البشرية، بل عادة ذميمة مكتسبة وسلوكيات مشينة دخيلة على حياتنا نحن البشر، فالأصل أن الله خلقنا لنعيش دون توتر، دون قلق، دون صراع داخلي أو خارجي، دون غضب. وفي هذا المقال، نريد أن نعرف ما المقصود بالتوتر؟ وما مصدره؟ وطريقة علاجه؟ حتى يكون عرضنا منطقيا وعلميا سأستعين بدراسات الدكتور ديفيد هاوكينز، الذي يحمل الدكتوراه في الطب والفلسفة، وهو مؤلف ومحاضر وطبيب إكلينيكي ونفساني ورئيس معهد الأبحاث الروحانية. عرف هاوكينز التوتر بأنه "الضغط الداخلي للعواطف المكبوتة، التي بدورها تجعلنا عرضة للتوتر الخارجي". من هذا التعريف يتبين أن التوتر يأتي من داخل النفس الإنسانية ولا يوجد تأثير للعوامل الخارجية، وهذا يعني أن مصدر التوتر الحقيقي داخلي وليس خارجيا، كما يظن أغلبنا، فالاستعداد للاستجابة للخوف يعتمد على كمية الخوف الداخلية، فكلما زاد الخوف في داخلنا انعكس على نظرتنا إلى العالم الخارجي، فنصبح أكثر خوفا وحذرا. يقول هاوكينز "إن ما نحمله من مشاعر في داخلنا يلون عالمنا". فالعالم الخارجي للشخصية الخائفة هو مصدر رعب، وللشخصية العصبية مصدر فوضى، وللشخصية المذنبة مكان للفتنة والمعصية. ينتج التوتر من الضغط المتراكم لمشاعرنا المكبوتة والمقموعة، وهذا الضغط يجول داخل النفس الإنسانية، فينظر الفرد إلى العالم الخارجي، وفقا لما تشعر به نفسه من الداخل. إذن، ليست البيئة الخارجية هي المسببة للتوتر، بل ما يجول في النفس من الداخل. وهذه الحقيقة ليست غائبة فقط عن الناس، بل عن الأطباء أيضا، فكل ما يفعله أطباء النفس لمعالجة الاكتئاب والتوتر والوسواس القهري لا يخرج عن منح المريض مسكنات فقط لتخفيف التأثير السلبي لتلك المشاعر القاسية، لأنهم لا يعرفون الأسباب الحقيقية وراء حدوثها، وبذلك هم يعالجون أعراضا فقط. يجب أن نعرف أن التوتر الذي يتكون في داخلنا ونشعر به، إذا لم نسمح له بالهروب، فإنه يقود إلى الأمراض المزمنة التي نرى ونسمع عنها كيف تفتك بالبشرية منذ الأزل. وقد ذكرت في المقال السابق أن الأطباء إلى الآن لا يعلمون سبب مرض الضغط ولا السكري ولا سبب الغدة الدرقية، ولا غيرها من الأمراض المزمنة، وكل ما يذكرونه لنا لا يتعدى فرضيات وليست حقائق، لذا هم يقدمون نصائح لتخفيف التأثير. فعلى سبيل المثال، ينصح الأطباء بتجنب الملح لمن لديهم مرض ضغط الدم، وظل مرضى الضغط عقودا يتجنبون الملح حتى ظهرت فرضية جديدة تقول إن الملح له أثر إيجابي في مرضى الضغط، وهذا يدل أن أسباب هذه الأمراض غير واضحة البتة، وكل ما ينقل إلينا ليس له أساس علمي حقيقي، بل مجرد فرضيات لم تختبر بعد. السبب الرئيس لكل ذلك، هو التوتر والضغوط والعواطف الهدامة المحبوسة داخل النفس وليس لطبيعة الغذاء، أو تلوث الماء أو الهواء علاقة فيما يطلق عليه الأمراض المزمنة. وهذا ليس كلامي، وليس استنتاجي، بل ما توصل إليه هاوكينز في دراسته التي استمرت عشر سنوات، التي توصل فيها إلى حقيقة أن الغذاء والهواء والماء ليست أسبابا جوهرية لأمراض العصر، بل كبت المشاعر داخل النفس وعدم السماح لها بالخروج، هو الذي يؤثر في أعضاء الجسم فتظهر في شكل أمراض. يقول هاوكينز في كتابه "السماح بالرحيل" في الصفحة الـ39 "الأمراض ليس سببها الغذاء السيئ أو التلوث، بل المشاعر المكبوتة". لقد ذكرت في المقال السابق أن العلاج يتمثل في العودة إلى خلقنا الأول، إلى فطرتنا التي فطر الله الناس عليها. لو عشنا كما خلقنا ربنا فلن نحتاج إلى مناسبات محدودة وأعياد معدودة نفرح فيها، لأن أيامنا كلها ستكون أعيادا، وجل أوقاتنا ستكون فرحا وسرورا. كما ينبغي عدم كبت مشاعرنا وعواطفنا داخل أنفسنا، بل علينا أن نسمح لها بالهروب. علينا أن نحفز المشاعر المحبطة والعواطف الهدامة لتهرب من داخلنا. ترى حال بعضنا كلما سنحت لهم الفرصة كيف يهربون بأنفسهم إلى الشرق أو الغرب وبعضنا الآخر يقطعون أطوال العالم وعرضه ظنا منهم أنهم بفعلتهم هذه يقضون على التوتر الذي في داخلهم، بينما قطعوا تلك المسافات الطويلة وهم يحملون بين جنباتهم مصدر شقائهم، وسبب بؤسهم، ألا وهي مشاعرهم الساخطة، الشقية، التي حبسوها بين ضلوعهم، التي كان من الممكن أن يتخلصوا منها في بلادهم وبين أهليهم وهم جالسون على أرائكهم. المشكلة ليست في المكان الذي تسكن فيه، بل في المشاعر التي تسكن نفسك وتحملها معك أينما ذهبت. كل الملهيات، والمسليات، والسفريات، والموسيقى، والرقص، والفنون، وغيرها، ما هي سوى مسكنات وقتية للتوتر الداخلي. وقد قامت شركات واستفادت اقتصاديات من رغبة الناس في الهروب من أماكنهم بصحبة مشاعرهم المحبطة بدلا من السماح لهذه المشاعر بالهروب. لذا، فالحل؛ شجع العواطف الهدامة داخل نفسك على الهروب بدلا من أن تهرب أنت وتحملها معك.
إنشرها