أخبار اقتصادية- عالمية

صناعة الأسماك العالمية تزدهر بنمو 4 % واستثمارات تتجاوز 11 تريليون دولار

وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة العالمية "الفاو" فإن التجارة الدولية للأسماك وصلت إلى أعلى مستوياتها العام الماضي، وسط توقعات بأن تواصل النمو هذا العام أيضا.
وأسهم تعافي اقتصادات البلدان المتقدمة المستوردة للأسماك خاصة في أوروبا، وارتفاع أسعار بعض أنواع الأسماك الشعبية في القارة الأوروبية مثل السلمون، بشكل كبير في انتعاش أوضاع صناعة الأسماك العام الماضي، ومواصلة الانتعاش خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري.
وتعد صناعة صيد وتعليب الأسماك والمأكولات البحرية واحدة من الصناعات الرئيسية في كثير من دول العالم. وفي الحقيقة، فإن تلك الصناعة تعتبر في بعض الحالات ونتيجة المنافسة بين الصيادين، والصيد في المياه الإقليمية للدول الأخرى مصدرا من مصادر التوتر الدولي والإقليمي، ما يتطلب توقيع اتفاقيات منظمة بين البلدان المختلفة لتفادي الاحتكاكات بين الصيادين.
لكن، بعيدا عن تلك الخلافات، فإنه من الواضح أن تنامي الوعي الصحي العالمي بأهمية نوعية الغذاء الذي نتناوله، وزيادة النصائح الطبية بتجنب اللحوم وزيادة كميات البروتين المستهلكة من مصادر أخرى، فتح آفاقا إيجابية لصناعة الأسماك والمأكولات البحرية على المستوى الدولي.
وإذا كانت بيانات العام الماضي قد أشارت إلى ارتفاع قيمة التجارة العالمية للأسماك لأكثر من 150 مليار دولار، بزيادة تبلغ نحو 7 في المائة مقارنة بعام 2016، فإن تقديرات الأشهر الثمانية الماضية تشير إلى أن صناعة الأسماك ستنمو هذا العام بما يراوح بين 3 و4 في المائة. وفي حين تتوقع التقديرات تباطؤ الإنتاج في الصين، بسبب التحديات الناجمة عن القضايا المناخية، فإن الزيادة المحققة في معدلات الإنتاج في جنوب شرق آسيا وإفريقيا والهند ستعوض التراجع في الإنتاج الصيني وتزيد.
فالأسماك، وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة أكبر سلعة غذائية متداولة، مدعومة بالاستزراع المائي أو ما يعرف بالمزارع السمكية، وكان هذا القطاع أكثر القطاعات نموا في إنتاج الأغذية خلال العشرين سنة الماضية.
رايمون سيدريك نائب الرئيس التنفيذي لاتحاد صيادي الأسماك في المملكة المتحدة لا ينفي أن التقلبات السعرية تلعب دورا رئيسيا في توجيه الصناعة على المستوى العالمي، لكنه يشير إلى أن القيمة الإجمالية لصناعة صيد وتعليب المأكولات البحرية، تجعل الصناعة ككل تتمتع بوضع من الاستقرار العالي نسبيا، مؤكدا أنه عند مقارنة مزارع الأسماك مع معظم الشركات الزراعية، سنجد أن مزارع الأسماك قدمت للمستثمرين فيها عوائد أعلى من القطاع الزراعي، ونال بعض المساهمين - وفقا لتقديرات سيدريك - ما يراوح بين 45 و60 في المائة أرباحا على استثماراتهم منذ عام 2012.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "القيمة الإجمالية لصناعة صيد الأسماك عالميا تتجاوز حاليا 11 تريليون دولار، وهذا يمنحها ثقلا كبيرا في المساهمة الاقتصادية العالمية، كما أنه يعطيها قدرة على مواجهة التحديات التي لا تعود بالضرورة إلى سياسات حكومية لا تصب في مصلحة الصناعة، إنما بسبب مشكلات بيئية متعلقة بعملية الصيد ذاتها".
ويشير سيدريك إلى أن "الإنتاج ارتفع العام الماضي بنحو 2.3 في المائة على المستوى الدولي، وهذا يعود إلى ظروف السوق الجيدة في جميع أنحاء العالم، وبالتالي تحققت زيادة كبيرة في الإيرادات التجارية، وهذا الوضع سيتواصل في العامين الجاري والمقبل، لكن يتوقع تباطؤ النمو في عام 2020، ومع هذا يصعب الحكم حاليا على مسار الأسعار المستقبلي لأن ذلك سيعتمد على الطلب".
ومن بين أكبر مصدري المأكولات البحرية في العالم من المتوقع أن تكون الهند وبيرو والإكوادور وشيلي والنرويج الأفضل أداء من حيث نمو الإيرادات، وإذا كانت مزارع الروبيان الهندية شهدت وضعا استثنائيا جيدا نتيجة الارتفاع الملحوظ في الصادرات، فإن ارتفاع أسعار سمك الأنشوجه والسلمون منح بيرو وتشيلي والنرويج مزايا كبيرة انصبت في زيادة عائدات التصدير.
إلا أن الإنجاز لم ينحصر فقط في تلك المجموعة من البلدان، إذ امتد النجاح أيضا إلى مجموعة من دول أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا ولا سيما منتجي التونة والروبيان، إذ نمت صادراتهم نموا ملحوظا بعد أن استهدفوا بشكل قوي كلا من الأسواق الأمريكية وأسواق الاتحاد الأوروبي واليابان، ويشير ذلك إلى أن التطوير مستمر لمصلحة مجموعة متنوعة من أسواق المصدرين والمنتجين في جميع أنحاء العالم.
جاري جري الباحث الاقتصادي يشير إلى أن تضييق ميزان العرض والطلب في الأسواق الدولية لأنواع متعددة من الأسماك والمأكولات البحرية، إلى جانب التوقعات الإيجابية نسبيا في العامين المقبلين، تشير إلى تعزيز مستمر وواسع النطاق للطلب على الأغذية البحرية.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أنه "مع زيادة العرض ومستويات الأسعار المرتفعة في جميع أنحاء العالم، من المتوقع أن ترتفع القيمة الإجمالية لصادرات المأكولات البحرية عالميا 8 في المائة، وهناك تعويل على أن يشهد الطلب زيادة إذا ما تحسنت الأوضاع في بعض الأسواق الناشئة مثل البرازيل وروسيا".
وأشار جري، إلى أنه "يجب أن نأخذ في الحسبان أيضا أن تحسن أداء الاقتصاد العالمي، لا يتم توزيعه جغرافيا بالتساوي، وبصفة عامة الطلب على الأسماك والمأكولات البحرية مرتفع بشكل ملحوظ في منطقة شرق آسيا، وبالتالي فإن الحرب التجارية الجارية إذا أصابت الاقتصاد الصيني بالضرر وانعكس ذلك على اقتصادات جنوب وجنوب شرق آسيا، فإن المشهد الراهن قد يتغير بطريقة دراماتيكية بحيث نشهد انخفاضا غير متوقع في أسعار الأسماك عالميا".
ومع هذا يمكننا القول، إن أسواق الطلب والعرض العالمي تشهد مجموعة متعارضة من العوامل التي تجعل وضع تصور مستقبلي لمسار الصناعة بحاجة إلى بعض الوقت لتتضح الصورة النهائية كاملة.
فبينما يسهم النمو السكاني العالمي في زيادة الطلب الإجمالي على السمك والمأكولات البحرية، هناك تحول لعدد كبير من السكان في الدول المكتظة بالسكان سريعة النمو مثل الصين وفيتنام وتايلاند والهند من المناطق الريفية إلى الحضر، وهذا يؤدي إلى تغيير في أنماط الاستهلاك التقليدية، بما يستتبعه ذلك من التحول من الأسماك إلى اللحوم الحمراء أو البيضاء باعتبار أن استهلاكها يعد دليلا على التحول الاجتماعي إلى مستويات أعلى، يترافق مع تحول المجموعات الاجتماعية المستقرة في المدن منذ عقود إلى زيادة طلبها على أنواع محددة من الأسماك والمأكولات البحرية عالية الجودة، وفي الوقت ذاته تزداد المخاوف العالمية من أن تؤدي زيادة الطلب الكلي على استهلاك الأسماك إلى الإفراط في عمليات الصيد البحري بطريقة جائرة تؤثر سلبا في المتاح عالميا من الأسماك، وهو ما يدفع بالأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية إلى سن مجموعة من التشريعات التي تحد عمليا من إمكانية الصيد وبالتالي ترتفع الأسعار في الأجل المنظور على الأقل.
ومع هذا، ترى الدكتورة لورين هاركين الاستشارية في مجال التنمية أن إجمالي الطلب على البروتين في العالم سيزيد وسيرتفع معه تلقائيا استهلاك الأسماك.
وتشير هاركين إلى دراسة سابقة للأمم المتحدة صدرت عام 2013 وتوقعت أن يرتفع متوسط استهلاك الفرد من الأسماك على مستوى العالم من 19 كيلو جراما عام 2012 إلى 20.6 كيلو جرام عام 2022، إلا أن الاستهلاك العالمي وصل إلى هذا المعدل عام 2016 أي ستة أعوام قبل التاريخ المتوقع.
وتضيف لـ "الاقتصادية"، أن "إجمالي حصيلة الصيد العالمي من الأسماك والمأكولات البحرية زاد خلال العقود الثلاثة الماضية من 69 مليون طن سنويا إلى 93 مليون طن، في الوقت ذاته ارتفعت حصيلة المزارع السمكية من خمسة ملايين طن إلى 63 مليون طن سنويا، وهذا مؤشر قوي على الاتجاه المتزايد من الاستهلاك العالمي من الأسماك".
وذكرت هاركين أنه وفقا لتقديرات "الفاو"، فإن الأسماك تمثل 16.6 في المائة من البروتين الحيواني الذي تستهلكه البشرية، و6.5 في المائة من إجمالي البروتين المستهلك، وهذا ما يجعل عديدا من دول العالم تتسابق في توسيع قدرات أساطيل الصيد البحري لديها.
وبالفعل، فإن الصين على الرغم من تراجع الإنتاج لديها نسبيا تعد المهيمن الرئيسي على صناعة صيد الأسماك عالميا، إذ تسيطر بمفردها على 37 في المائة من إنتاج الأسماك والمأكولات البحرية عالميا "17 في المائة من الصيد في البحار والمحيطات و57 في المائة من إنتاج المزارع البحرية".
وينسجم ذلك مع اتجاه عالمي تبرز فيه الاقتصادات الناشئة باعتبارها المهيمن الرئيسي على سوق السمك العالمية سواء استهلاكا أم إنتاجا، إلا أن الإجراءات الدولية المحيطة بتنظيم عمليات الصيد تدفع أكثر في إطار التقليص النسبي للصيد البحري لمصلحة إنتاج الأسماك والمأكولات البحرية من المزارع السمكية، حيث يتوقع أن تبلغ مساهمة المزارع السمكية من إجمالي العرض الكلي نحو 60 في المائة بحلول عام 2030، ويتوقع أن يبلغ نموها السنوي ما يراوح بين 4 و5 في المائة سنويا خلال العقد المقبل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية