لماذا تتحاشى الشركات الرائدة مواجهة الثقافات؟

|

تعرف الثقافة بأنها ذلك الكل المركب والمعقد الذي يشمل المعارف، والمعتقدات، والأخلاقيات، والتشريعات، والعادات، والتقاليد، والفن وغيرها من الخصائص التي يتعلمها الفرد ويكتسبها من البيئة المحيطة. ومهما تعددت تعاريف الثقافة، فإننا نجد أنها تحتوي على عدة عوامل يطلق عليها العوامل الثقافية وهي: العادات، والقيم، والتقاليد، واللغة. وهذه العوامل مجتمعة تعبر عن مكونات الثقافة، فاختلاف عنصر واحد من هذه العناصر يؤدي إلى اختلاف ثقافة عن ثقافة أخرى.
ولا يهمنا هنا تعريف الثقافة بقدر ما يهمنا لماذا تتحاشى الشركات الرائدة مواجهة الثقافات مواجهة مباشرة؟ السبب الجوهري يتمثل في أن الشركات تدرك أن هذه المواجهة ستنتهي بانتصار الثقافة وخسارة فادحة ومدوية للشركة، لأن الثقافة جزء من البيئة الكلية التي يصعب تغييرها، التي يطلق عليها في أدبيات التسويق القوى، كالقوى الطبيعية، والقوى الاقتصادية، والقوى الديموغرافية وغيرها. فمثل هذه العوامل لا يمكن مواجهتها أو تغييرها، بل التكيف معها بخلاف العناصر الأخرى، التي يمكن مقاومتها أو تغييرها، وفي بعض الأحيان مواجهتها، كالمنافسين، والأسواق، والموردين، وغيرهم.
فالبيئة - بشكل عام - تتكون من عناصر وقوى، وقد تم تصنيف الثقافة كقوة - وليست عنصرا - والقوة تعني أن على المجتمعات والاقتصاديات والدول والمؤسسات أيضا أن تتكيف مع الثقافات وتتعامل معها، كما تتعامل مع القوى الطبيعية، والقوى الاقتصادية. فينادي علماء الاجتماع والتسويق بعدم مواجهة الثقافات أو محاولة تغييرها عنوة، بل تقبلها والتكيف معها. ولكن ليس معنى هذا أن تستمر في التكيف، بل يمكن تغييرها عن طريق تفتيتها، لكن هذا يستغرق وقتا طويلا قد يستمر بعضها سنين عددا. فتاريخ الأعمال بيّن لنا كيف أن كثيرا من الشركات والمؤسسات قد أفلست وبعض الدول قد انهارت وأصبحت أثرا بعد عين بسبب تصديها لثقافة ما أو أحد عواملها الثقافية.
وقطاعات الأعمال الرائدة تدرك مثل هذا الأمر، خصوصا تلك المنظمات التي تقدم منتجات وخدمات تمس عادات وأعراف وقيم الشعوب، كالشركات السياحية وشركات الترفيه والضيافة والوجبات السريعة. فهذه الشركات عندما تهم بغزو الأسواق، فإن أول ما تبدأ به التعرف على عادات البلاد وثقافة الناس. فلو أخذنا - على سبيل المثال - شركة كبيرة للوجبات السريعة نراها تقدم لحم الخنزير كوجبة رئيسة في أمريكا، ودول أوروبا، والشرق الأقصى، لكنها تتحرج أن يكون ضمن أصنافها في البلاد العربية. لماذا لم تفرض هذه الشركة قناعاتها على هذه الدول؟ لأنها تعلم أن هناك ثورة مجتمعية ستتكون ضدها وتطردها خارج حدودها إن هي مست أحد مكونات الثقافة.
ولو قدر لشركة من الشركات التي تقدم منتجا أن تستثمر في البلاد التي تحرم أنظمتها الخمور، فهل تتوقع أن تتبع أسلوبها نفسه الذي تنتهجه في دول أخرى تتقبل هذا الأمر؟ لا أظن مسؤول الشركة يرتكب حماقة كهذه، لأنه يعلم أن أبناء هذه الشعوب لا يتقبلون هذه العادات والمنتجات وإن تآلف بعضهم معها خارج الحدود، فالعقل الجمعي في الداخل لن يقبل أن تفرض عليهم في بلادهم، خصوصا أنهم يعلمون أنها تنافي أهم عامل من عوامل التركيبة الثقافية.
مثل هذه الشركات العملاقة لن تتجرأ وتمس جزءا بسيطا من أجزاء الثقافة، وإن فعلت فنرى أنها تقدم الاعتذار فورا، مثلما فعلت شركة رياضية معروفة عندما ارتكبت خطأ كبيرا في أحد موديلاتها، فثار العالم الإسلامي، فقدمت اعتذارها وسحبت جميع المنتجات من السوق. بطبيعة الحال، بعض الشركات تحاول أن تستفز الثقافات وتتخذ مثل هذا الاستفزاز حركة دعائية. فالشركة الرياضية كانت تعرف أن شريحة كبيرة من مستهلكيها لن يتقبلوا فعلتها، لكنها فعلت هذا من أجل أن يتناقل الناس اسمها وتثبت العلامة التجارية في أذهانهم، وهذا أسلوب ترويجي أكثر منه أسلوب استفزازي أو مواجهة للثقافة.
بطبيعة الحال، احترام الثقافات قاسم مشترك لجميع الشركات الرائدة، لكن بعض الشركات الأقل كفاءة تعتمد تقديم منتجات أو خدمات تمس أحد العوامل الثقافية، وبفعلتها هذه تسير عكس التيار، وما هي إلا مسألة وقت حتى تخرج من السوق ذليلة تجر أذيال الهزيمة، لأن مواجهة الثقافات وفرض قناعات، تصرف لا تتقبله المجتمعات. فعلى سبيل المثال، قامت بعض المصارف بتقديم القروض الربوية في بعض الدول الإسلامية دون إدراك منها أن هذا مضاد لمعتقدات المتعاملين، لكنها تداركت هذا لاحقا وكيفت معاملاتها المالية بما يتوافق مع هذه الحقيقة. كما غاب هذا الدرس عن بعض الشركات العالمية التي طرحت جزءا من رأسمالها للاكتتاب العام، فأظهرت نفسها كقوة اقتصادية كبرى ومركز مالي ضخم وأغفلت ثقافة البلاد التي تعيش فيها ورغبات المساهمين، فكان الفشل حليفها.
ونريد أن نخلص من كل هذا فنقول، إن الشركات الرائدة تدرك أهمية العناصر الثقافية من قيم، وأعراف، وعادات، ولغة، ودين، فتقوم بصياغة رسالتها وتحديد رؤيتها بما يتناسب مع هذه الحقيقة، بل تتعدى ذلك إلى إعادة تصميم برنامجها التشغيلي والإنتاجي ومزيجها التسويقي بما يتوافق والمكونات الثقافية.

إنشرها