أخبار اقتصادية- عالمية

ثالث أكبر اقتصاد أوروبي يدخل في أزمة عميقة .. الدين عند 2.8 تريليون دولار

دخلت إيطاليا ثالث أكبر دولة في منطقة اليورو في أزمة اقتصادية عميقة، بحيث باتت مصدر قلق للاتحاد الأوروبي وكذلك بالنسبة للأسواق العالمية. 
ففي نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي، أعلن الائتلاف الحاكم في إيطاليا عن ميزانية عام 2019، وكان ذلك بداية القلق الأوروبي والعالمي، حيث إنه في الميزانية الجديدة يزيد عجز الإنفاق بنحو 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. 
وكانت تلك الخطوة كفيلة بإثارة غضب شركاء إيطاليا في منطقة اليورو، الذين كانوا يضغطون على الحكومة الإيطالية لتخفيض ديونها.
وفي الواقع، فإن إيطاليا ولسنوات عديدة ظلت دولة إشكالية، فهي تدخل ضمن فئة البلدان ذات الديون الكبرى، حيث يقدر الدين العام الإيطالي بـ 2.8 تريليون دولار، ومعدلات البطالة لديها مرتفعة، إذ بلغت 9.7 في المائة في آب (أغسطس) الماضي، وبين الشباب ترتفع تلك النسبة إلى 31 في المائة.
كما أن 6.5 مليون إيطالي أي 11 في المائة من مجموع السكان يعيشون تحت خط الفقر، والناتج المحلي الإجمالي يبلغ 1.85 تريليون دولار، وبذلك يقف عند مستوى أدنى مما كان عليه في عام 2005.
وكشفت الانتخابات العامة في إيطاليا عن عدم قناعة شعبية عميقة بالدور الذي تلعبه إيطاليا في الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو. 
ويقول لـ" الاقتصادية" الدكتور إدوارد وايت أستاذ الاقتصاد الأوروبي، " في الحقيقة الأزمة الحالية في إيطاليا أسوأ من أزمة اليونان عام 2015، فالديون الحكومية تبلغ نحو 130 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتسهم إيطاليا بمفردها بـ 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لليونان، ولذلك لديها القدرة على إحداث مزيد من الضرر في المنظومة الاقتصادية للاتحاد، خاصة إذا أخذنا في الحسبان أن النظام المصرفي الإيطالي ضعيف، ونسبة القروض المتعثرة، رغم تراجعها من 15.2 في المائة الربع الثاني في العام الماضي إلى 11.4 في المائة من الربع الثاني هذا العام، إلا أنها تعد مرتفعة، وقد أسفر ذلك عن تصفية عدد من المصارف الإيطالية".
ويؤكد أن الديون السيئة الإيطالية بلغت نحو 400 مليار دولار، أي نحو خمس القروض التي منحتها المصارف العاملة في إيطاليا، مبينا أن الحكومة الشعبوية الجديدة تبنت خطط إنفاق تصفها عديد من الدوائر المالية بالمتهورة.
ويشير إلى أنه بخلاف أزمة عام 2008، إذا انهارت المصارف الإيطالية، فلن يستطيع البنك المركزي الأوروبي إنقاذها، إذ إنه - باختصار - استهلك كثيرا من الأدوات المتاحة لديه لمواجهة الأزمات المتلاحقة التي شهدها النظام المالي الأوروبي منذ عام 2008. 
ومع هذا، لا تبدو الحكومة الإيطالية في حالة من القلق أو الفزع بشأن انهيار اقتصادي ممكن أو قريب. ربما يساعدها في ذلك الدعم الشعبي الذي تحظى به حتى الآن. 
لكن هذا المشهد قد يتغير إلى ما لا تحمد عقباه إذا أظهر المستثمرون سلوكا يعرب عن فقدان الثقة بالاقتصاد الإيطالي نتيجة تفاقم أزمة المديونية. 
فمع تفاقم تلك الأزمة ستصبح المصارف أكثر حذرا بشأن الإقراض، وسيتعين على المستهلكين والشركات دفع فائدة أعلى للاقتراض، وقد لا تتمكن بعض الشركات من الحصول على الائتمان المطلوب لتسيير أعمالها، وبالطبع مع تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، تنخفض قدرة الدولة على جباية الضرائب ويتدهور الوضع المالي للحكومة بشكل أكبر. 
من جهته، يعتقد المصرفي ميرفي ريد، أن أوروبا لا تتعلم من أخطائها، حيث إن ألمانيا تعيد تكرار السيناريو اليوناني مع إيطاليا، دون أن تأخذ في الحسبان أنه إذا دخل الاقتصاد الإيطالي في أزمة، فإن الاتحاد الأوروبي سيكون قد دخل نفقا مظلما، سيكون من شبه المستحيل أن يخرج منه محافظا على ذاته ووحدته. 
ويقول لـ"الاقتصادية"، إن الاتحاد الأوروبي بدلا من أن يتصدى لبلدان مثل ألمانيا، التي تزعزع استقرار اليورو نتيجة الفائض التجاري المفرط لديها، يهاجم بلدانا مثل إيطاليا، تعمل على إنقاذ اقتصادها ورفاهية مواطنيها، بعيدا عن التقشف الاقتصادي الذي تدعو إليه ألمانيا، مبينا أن سياسة الدعم الحكومي هي الضمان الوحيد لإيطاليا لرفع معدلات التوظيف والنمو وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.
ويضيف "النمو الاقتصادي كان ضعيفا للغاية في الربع الثاني من هذا العام، وبالكاد بلغ 0.2 في المائة، وباستثناء الصادرات، جميع مكونات الطلب ضعيفة، فاستهلاك الأسر الذي يمثل ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، يعوقه ارتفاع معدلات البطالة. وقد انخفضت مبيعات التجزئة في الأشهر السبعة الأول من هذا العام، والأخطر ما أشار إليه التقرير الأخير للاتحاد الأوروبي بأن 30 في المائة من السكان معرضون لخطر الفقر والاستبعاد الاقتصادي".
لكن خطورة المشكلة الإيطالية لا تكمن فقط في حجمها أو أسبابها، إنما أيضا في توقيتها، ففي الظروف العادية كان يمكن لتحالف اقتصادي وتكاتف دولي أن ينقذ إيطاليا ومصارفها من أي عثرة تتعرض لها، لكن في ظل صراع تجاري متفاقم بين بكين وواشنطن، وزيادة متواصلة في أسعار الفائدة الأمريكية، ودولار متصاعد القوة، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإنه لا يمكن وصف توقيت الأزمة الإيطالية بأكثر من أنه أسوأ وقت يمكن أن تحدث فيه أزمة اقتصادية.
بدوره، يؤكد لـ"الاقتصادية" الدكتور الفريد ميتشل الاستشاري السابق في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن التصادم واقع لا محالة بين الحكومة الإيطالية والاتحاد الأوروبي، حيث إنه يوم الخميس الماضي باعت الحكومة سندات بعائد مقداره 2.51 في المائة، وهو أعلى معدل للاقتراض في أكثر من خمس سنوات، وسمح ذلك للخزينة العامة بجمع 6.5 مليار يورو، والميزانية الإيطالية ستؤدي إلى ارتفاع العجز المالي بمقدار 22 مليار يورو العام المقبل.
ويقول "كل تلك العوامل تضع النظام الاقتصادي، خاصة النظام المصرفي، على حافة الهاوية، وتعرض المصارف الإيطالية لمزيد من الضغوط، وهو ما قد يتطلب من السياسيين قبل الاقتصاديين سرعة التدخل لخفض حدة التوتر مع الاتحاد الأوروبي من جانب، لكن الأهم اتخاذ خطوات عملية لإصلاح النظام المصرفي، خاصة مع زيادة تكلفة تمويل تلك المصارف نتيجة ارتفاع عائدات السندات الحكومية".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية