FINANCIAL TIMES

وضع غير صحي .. المصارف تعود إلى أخطاء ما قبل 2008

هل يستطيع أي شخص أن يسمع صدى تصريح تشاك برنس الشهير في منتصف عام 2007؟ حتى في الوقت الذي أخذت فيه الأسواق بالتفكك، قال الرئيس السابق لسيتي جروب في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز": "طالما كانت الموسيقى تعزف، عليك أن تنهض وترقص. ونحن لا نزال نرقص". وكما تبين خلال بضعة أشهر، فكرة الوقوف إلى جانب رغبات العملاء، بصرف النظر عن المخاطر، أو تقييم الأصول، أو مسرح الدورة الاقتصادية، هي فكرة تتسم بالبلاهة.
مع ذلك، عندما نلح في سؤال المصرفيين عن الحكمة في الاستمرار في إقراض المال لتمويل مشتريات الأصول بأسعار عالية فوق قيمتها الحقيقية، فإنهم لا يزالون يتشدقون بالحكمة التي اعتادوا على ترديدها: "نحن بحاجة إلى مساندة عملائنا".
هناك حقيقة مقبولة بشكل عام هي أن المصارف – بعد مرور عشر سنوات على الأزمة المالية، وبعد عقد تقريبا من الإصلاحات التنظيمية المتشددة التي فرضت عليهم – هي في وضع صحي أفضل من حيث الأساس. هبطت الأرباح الإجمالية بالتأكيد، لكن إلى حد كبير يعود السبب في ذلك إلى أن الأرباح كانت متضخمة في الفترة السابقة على عام 2008 بسبب الاستخدام المفرط للرفع المالي في الميزانيات العمومية من أجل تعزيز العوائد. وتم تعزيز الروافع الرأسمالية، وواقيات السيولة، وممارسات إدارة المخاطر. أسوأ الممارسات السلوكية – التي كانت واضحة في التلاعب بالمؤشرات المرجعية لسعر الفائدة الليبور وأسعار صرف العملات الأجنبية – عوقبت وخضعت لتغييرات واسعة. المصارف، وفقا لهذه الرواية، لقنت درسا واتعظت.
في الواقع، الإقراض المصرفي في عام 2018 يشبه إلى حد كبير الإقراض في فترة ما قبل عام 2008. الأسوأ من ذلك أن سياسات الاقتصاد الكلي، المصممة لتكون مخدرا يجعلك ترى عالما مدمنا على الديون خلال سنوات ما بعد الأزمة، أدى في الواقع إلى زيادة الرفع المالي خارج قطاع المصارف: بالمعدل الإجمالي، مستوى الديون العالمية قريب الآن من 250 تريليون دولار، وفقا لمعهد التمويل الدولي، أي أعلى 40 في المائة تقريبا مما كان عليه في عام 2008. في هذه البيئة من أسعار الفائدة المنخفضة بشكل مصطنع، فإن تعطش المستثمرين للعوائد الجيدة دفع بأسعار الأصول – من شقق فلوريدا إلى الأعمال الفنية – إلى مستويات قياسية عالية.
والمصارف، كعادتها دائما، تعمل على تمويل كثير من تلك الاستثمارات، حتى في الوقت الذي يبدو فيه أن هناك إجماعا آخذا في الظهور بأن الأسواق سوف تنهار خلال السنة المقبلة أو السنتين المقبلتين.
ليس هناك مكان يبدو فيه الاهتمام بالدورة أعلى ما يمكن مثل قطاع العقارات التجارية ذي السمعة السيئة من حيث تطرفه. في دراسة جديدة، من تأليف روبرت كلارك، الرئيس التنفيذي السابق لشركة هيرميس والمستثمر منذ مدة طويلة في قطاع العقارات، يتوصل المؤلف إلى نتيجة مذهلة: لو أن المصارف درست ربحيتها من القروض المقدمة إلى قطاع العقارات عبر دورة عقارية تامة، فإنها ستدرك أن القطاع يسبب لها خسائر فظيعة.
كان هذا بالتأكيد صحيحا في الدورة الأخيرة خلال الفترة 1992 – 2008 في بريطانيا. وفقا لتحليل كلارك، سجلت المصارف خسارة إجمالية بلغت 12.3 مليار جنيه على إيرادات إجمالية مقدارها 28 مليار جنيه. التكاليف التشغيلية (8.4 مليار جنيه) والتكاليف الرأسمالية التنظيمية (12.6 مليار جنيه) كانت ضمن الحدود المنطقية. لكن الخسائر التي تولدت في السنتين الأخيرتين من الدورة قضت على 19.3 مليار جنيه.
في دراسة مستقلة أجرتها وكالة فيتش في السنة الماضية – درست سوق الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية التي كانت تعمل على تعليب القروض العقارية للشركات وتبيعها إلى المستثمرين – وجدت أن جميع الخسائر التي تولدت خلال الدورة العقارية الأخيرة حدثت خلال فترة 2005 – 2007 التي شهدت تسارعا كبيرا في الإقراض. وتوصل تحليل كلارك إلى أن ثلثي القروض الصادرة في بريطانيا، البالغة 255 مليار جنيه خلال ذروة عام 2008، تم تقديمها خلال السنتين الأخيرتين من الدورة التي استمرت 16 سنة. قدمت القروض المذكورة على أساس نسبة متوسطة من "القرض إلى قيمة المسكن" مقدارها 75 في المائة، حيث أعطت "فسحة" مقدارها 25 في المائة من الرهن المقدم مقابل القرض – تماما قبل أن تهبط أسعار العقارات 42 في المائة.
ما حدث لم يكن حالة شاذة في عام 2008 أو في بريطانيا. الدورات السابقة خلال السنوات الـ 50 الماضية كانت أيضا تسبب خسائر من الناحية الإجمالية، بحسب كلارك، وهناك أسباب كثيرة تجعلنا نعتقد أن داينميات القروض العقارية العالمية تتبع النمط نفسه مثل بريطانيا.
هل سيكون الأمر مختلفا هذه المرة؟ أعتقد أنه ينبغي أن يكون أقل خطرا. ففي حين أن انهيار العقارات الأخير في بريطانيا ساعد على إسقاط مصارف من قبيل "رويال بانك أوف اسكوتلاند" و"إتش بي أو إس" HBOS، إلا أن نطاق الواقيات الرأسمالية الجديدة وعوامل الوقاية المفروضة من الأنظمة ينبغي أن يحولا دون انهيار أحد المصارف الآن. والمصارف نفسها يبدو أنها تلتزم بمزيد من الحذر أكثر مما فعلت خلال 2007 / 2008، إذ إن نسبة القروض إلى القيمة الآن أدنى من 60 في المائة وإجمالي القروض واجبة السداد 165 مليار جنيه.
لكن هذه النظرة المتفائلة تتجاهل مصدرين للقلق. الأول، المؤسسات غير المصرفية – صناديق الديون لأغراض خاصة، وصناديق التحوط، وشركات إدارة الأصول الأخرى – كانت تتوسع بشكل نشط في هذا المجال، لكن مع عوامل ضبط ومساءلة أقل كثيرا من المصارف. الآخر، إذا كانت نظرة الإجماع ـ التي ترى أن من الممكن أن تكون أمامنا سنتان من الأسواق المزدهرة قبل أن تقع الكارثة مرة أخرى ـ صحيحة، عندها فإن عامي 2019 و2020 يمكن أن يكونا العامين اللذين تمارس فيهما المصارف أسوأ أعمالها – وتقضي على جميع العمل الجيد نسبيا الذي أنجزته خلال العقد الماضي. أن يكون الوضع مأمونا، فهذا أمر. لكن أن يكون صحيا، فهو أمر آخر.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES