FINANCIAL TIMES

حُسن النية .. لن يمنع تحوّل الصين إلى قوة استعمارية

الأطلال المحفوظة بعناية للقصر الصيفي القديم في بكين، تذكرة قوية بقرار القوات الفرنسية والبريطانية المشتركة، إحراق المكان في تشرين الأول (أكتوبر) 1860.
أمر المفوض السامي البريطاني بالتدمير كقصاص لمقتل 20 مبعوثا، بمن فيهم صحافي بريطاني، تم إرسالهم للتفاوض على هدنة مع إمبراطورية مانشو.
على أن الحكومة الصينية لا تذكر هذه التفاصيل الحاسمة مطلقا في النسخة الرسمية للحكومة الصينية للحدث، ولا تسمح بالحديث عنها، كذلك.
السجل التاريخي "المعدل" الذي يتم تدريسه في المدارس الرسمية الصينية، ويطنطن به في عقل كل مواطن صيني اليوم، هو جزء من جهد لدعاية ممتدة منذ عقود لتصوير الإمبريالية والاستعمار، على أنهما مفهومان حصريان حكر على الأجانب الشريرين (من الغرب واليابان، بالذات).
وفقا لهذه الرواية، فإن المضمون يعني أن الصين أمة محبة للسلام، لكنها تفتقر إلى أي نيات سيئة، بل إنها عاجزة دستوريا وأيديولوجيا عن التصرف على غرار غيرها من الدول المتسلطة أو المستعمرة، بحكم اختيارها وليس لمجرد قصور ذاتي.
كثير من البلدان (والناس) يفكرون بهذه الطريقة عن أنفسهم، لكن موقف الصين يثير خطرا عندما يقترن بموقفها الجديد كقوة عظمى صاعدة، من خلال خطة صريحة لإظهار قوتها في جميع أنحاء العالم.
تهدف مبادرة الحزام والطريق، السياسة الخارجية للرئيس تشي جين بينج، إلى ربط الصين وأوروبا على طول طريق الحرير القديم بشبكة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب صينية الصنع.
تشتمل هذه المبادرة على عنصر استراتيجي. تأمل الصين في الحد من أهمية نقاط الاختناق المرورية البحرية، مثل مضيق ملقا الذي يعد بوابة بحر الصين الجنوبي، الذي يتعين على معظم واردات الطاقة والواردات الأخرى، المرور من خلاله.
على أنه بشكل عام، فإن مبادرة الحزام والطريق هي بحسب ما تصفها بكين: مشروع "رابح لكل الأطراف" لتوفير البنية التحتية للبلدان التي تحتاج إليها بشدة.
وفي حين أن النية وراء مبادرة الحزام والطريق إيجابية من وجهة نظر البلدان المجاورة، إلا أنه إذا لم تكن الصين نفسها حذرة، فقد لا تكون النتائج حميدة إلى هذه الدرجة من التبسيط، التي تصر على التذرع بها.
في زيارة إلى بكين الشهر الماضي، حذر رئيس الوزراء الماليزي السابق الذي أعيد انتخابه أخيرا مهاتير محمد، من أن مبادرة الحزام والطريق تخاطر بأن تصبح الآن "نسخة جديدة من الاستعمار".
كانت ماليزيا ثاني أكبر متلق للاستثمار من مبادرة الحزام والطريق، لكن مهاتير ألغى الآن أو علق أكثر من 23 مليار دولار من العقود الصينية "غير العادلة" التي تم توقيعها قبل توليه منصبه.
هذا الانتقاد من أحد البلدان النامية - وليس من الديمقراطيات الغربية المنافقة التي تتظاهر بالتقوى والصلاح، على حد النغمة السائدة في الصين - صدم بصدق المسؤولين الصينيين، الذين اعتادوا على تصوير بلدهم على أنه ضحية للمعتدين الاستعماريين الإمبرياليين، من قبل وحتى الآن.
من جانبها، كان لسريلانكا رد فعل مضاد لمبادرة الحزام والطريق، بعد أن وقعت شركة صينية تسيطر عليها الدولة عقد إيجار لمدة 99 عاما لميناء استراتيجي مقابل الإعفاء من الديون.
واتهم النقاد هناك الصين بدفع سريلانكا عن قصد إلى "شرك الديون" حتى تتمكن من الاستيلاء على الميناء.
يسلط هذا الفصل الضوء على عجز بكين عن النظر إلى أفعالها على أنها حميدة تماما، وعلى ميل الصين إلى تجاهل الأصداء التاريخية. لاحظ أن الصين شهدت الإذلال الوطني في شكل ما يسمونه "معاهدة غير متكافئة"، أعطت بريطانيا عقد إيجار لمدة 99 عاما على الأراضي الجديدة في هونج كونج، في نهاية القرن التاسع عشر.
في الواقع، يحسن بقادة الصين ومنظريها دراسة تاريخ الإمبريالية البريطانية، بحثا عن أدلة تبين كيف يمكن للمشروعات الاقتصادية أن تؤدي إلى الإمبراطورية.
لم تكن المملكة المتحدة قد شرعت في البداية في احتلال الهند، لكن تجربة شركة الهند الشرقية البريطانية تثبت أن "العلم يتبع التجارة"، على الأقل، في كثير من الأحيان مثلما يحدث العكس.
اليوم، تتعرض الصين لخطر الشروع في المغامرة الاستعمارية في باكستان - وهي أكبر متلق لاستثمار مبادرة الحزام والطريق، وكانت في الماضي المكان المفضل القديم لشركة الهند الشرقية.
وقد وصف قادة باكستان علاقتهم مع الصين بأنها علاقة "الأخوة الحديديين" بعلاقات "أعلى من جبال الهيمالايا، وأعمق من أي محيط وأحلى من العسل".
على أن هذه اللغة المبالغ فيها تخفي حقيقة أن باكستان هي الآن، من الناحية العملية، دولة شبه عميلة للصين، أو قاب قوسين أو أدنى من ذلك، حتى لدى أقسام من النخبة الوطنية.
ويخشى كثيرون داخل البلاد علانية من أن اعتمادها على بكين يحولها منذ الآن إلى مستعمرة لجارتها الضخمة. المخاطر من أن هذه العلاقة يمكن أن تتحول إلى إشكالية تتزايد كثيرا، من جراء جهل بكين بالطريقة التي ينظر بها الناس إلى الصين في الخارج، وترددها في دراسة التاريخ من خلال عدسة غير أيديولوجية.
في الوقت الحالي، يشرف الجيش الباكستاني على الأمن في مشاريع البنية التحتية الصينية التي تبلغ قيمتها 62 مليار دولار في البلاد. غير أن الصين ترسل منذ فترة أعدادا صغيرة من ضباط الأمن متنكرين في زي عمال عاديين إلى باكستان، لضمان مستوى إضافي من الحماية لهذه المشاريع، وذلك وفقا لمسؤولين باكستانيين.
من السهل تصور سيناريو تطغى فيه الهجمات المسلحة على المشاريع الصينية على الجيش الباكستاني، وتقرر الصين نشر جيش التحرير الشعبي بشكل علني لحماية مواطنيها وأصولها.
هذه هي الطريقة التي يمكن أن تصبح بها مشاريع الاستثمار التي تجلب المنفعة لكل الأطراف، أسس تكوين الإمبراطورية بسرعة، في الوقت نفسه.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES