ما علاقة الإنفاق الحكومي بالتضخم؟

|
هل نمو الإنفاق الحكومي الخليجي، "لنأخذ المملكة مثالا"، في سنوات خلت سبب رئيس من أسباب التضخم؟ الجواب، نعم بالتأكيد. أي أن المسألة ليست وجهة نظر وتزيد القناعة بهذا الجواب، عند ملاحظة أن الممول الأكبر لهذا النمو الملحوظ عبر عقود هو دخل صادرات النفط، وليس الضرائب والرسوم المحلية. بعبارة ثانية، هناك علاقة طردية قوية بين معدلات التضخم ودخل النفط. وأسعار النفط طبعا محدد أساس لهذا الدخل. فهم التضخم وكيف يحدث، يسهل فهم جواب السؤال السابق. يعني التضخم، الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات. وبعبارة مكافئة، الانخفاض المستمر في قيمة النقود. لذا، فإن هناك قناعة بين الاقتصاديين في تحليلاتهم أن التضخم "الداخلي، أي غير المستورد" ينشأ من جراء تفاعلات بين متغيرات اقتصادية أهمها النقود "كميات النقود المتاحة في يد الناس، وبالذات النقود الورقية والحسابات المصرفية"، والإنتاج طلبا وعرضا. لنبدأ بعلاقة النقود هناك علاقة بين أربعة عناصر: الإنتاج Y، والمستوى العام للأسعار P، وكمية النقود المتاحة في الاقتصاد M، وسرعة دوران أو تداول الأيدي للنقود V. وملخص العلاقة، أن كمية النقود الموجودة في اقتصاد ما مضروبة في سرعة دوران النقود تساوي ولو تقريبا الأسعار مضروبة في كمية السلع والخدمات. وتبعا لذلك، لو ضربنا الأسعار كافة بالكميات المشتراة من السلع والخدمات "في اقتصاد ما مثل اقتصاد المملكة، وخلال فترة زمنية محددة عادة سنة"، فإن الناتج يساوي أو يقارب كمية النقود المتداولة مضروبة في سرعة دورانها. علاقة الطلب زيادة كمية النقود لا تأثير لها - بطبيعة الحال - على الأسعار إذا بقيت دون إنفاق. أما إذا تحولت إلى طلب "عبر تداول النقود v" أي وجدت في يد الوزارات والمؤسسات الحكومية والشركات والمؤسسات الخاصة وأفراد المجتمع بغرض إنفاقها، فإنها - وبصفة عامة وبعبارات مبسطة - ترفع مستوى الأسعار، عندما تكون نسبة الزيادة في كمية النقود أعلى من نسبة الزيادة في السلع والخدمات. أو ما معناه "نقود كثيرة مقابل سلع قليلة". والنمو الاقتصادي ذاته يجلب درجة من التضخم. ارتفاع الطلب له أكثر من سبب وسبب، وأقوى سبب في الدول النفطية الخليجية هو ارتفاع الإنفاق الحكومي، الذي مصدره إيرادات النفط المصدر وليس الضرائب المحلية. ومعلوم أن تلك الإيرادات تتسلمها الحكومات. ولا تأثير لها في الاقتصاد المحلي دون أن تنفق. وكون مصدرها ليس الضرائب المحلية مهم جدا، لأن الدول التي تزيد من إنفاقها الذي مصدره الضرائب، تكون في الوقت نفسه قد قللت من إنفاق الشركات المحلية. أي أن زيادة طلب الحكومة الممول بالضرائب والرسوم قابله خفض طلب الناس والقطاع الخاص. وهذا ما حصل لدينا في العامين الماضيين. وهو فرق جوهري في تأثير مالية الدول. كيف يرفع الإنفاق الحكومي الطلب؟ الإنفاق الحكومي له تأثير مباشر وتأثير غير مباشر: التأثير المباشر يأتي من زيادة الطلب الحكومي المباشر على السلع والخدمات. التأثير غير المباشر يأتي من جراء اعتماد الأنشطة بعضها على بعض "الحكومة تشتري سلعا وخدمات، وتتعاقد مع مقاولين لتنفيذ مشاريع، وتقديم خدمات صيانة، وتدفع رواتب لموظفيها، وكل هؤلاء يشترون من مزودين آخرين وهكذا، في إطار مضاعفات". خلال الفترة بين 2004 و2014، ارتفع الطلب الكلي بسرعة أكبر من الإنتاج الكلي، وكان أحد أسباب انجذاب الأسعار إلى أعلى بقوة. وبلغة الأرقام: توسع الإنفاق الحكومي أربع مرات تقريبا خلال تلك الفترة، وزاد عرض النقود أيضا أربع مرات تقريبا خلال الفترة نفسها. بينما نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي مرة وثلاثة أرباع المرة تقريبا خلال الفترة نفسها. ماذا يعني ذلك؟ توافرت السيولة، وتوسع الإنفاق الحكومي وغير الحكومي بما يتجاوز بوضوح طاقة الاقتصاد الاستيعابية، وهذا سبب رئيس من أسباب ما حصل لدينا من تضخم خلال سنوات الطفرة السابقة. أحد أهم أسباب كون طاقة استيعاب الاقتصاد دون المؤمل، انخفاض الإنفاق الحكومي على البنية التحتية ومشروعات المرافق العامة من نحو 25 في المائة من مخصصات الميزانية في مطلع الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي إلى نحو 7 في المائة في مطلع الطفرة السابقة. من المهم التأكيد على أن الارتفاع الحاد لإنفاق حكومات مجلس التعاون خلال هذه السنوات سبب رئيس للتضخم، لكنه ليس السبب الوحيد. ولا يوجد مرجع اقتصادي دقيق يقول ذلك. وطبعا، ليس المطلوب خفض الإنفاق الحكومي، بل ترشيده ورفع كفاءته. لأن هذا مطلب بحد ذاته، ولأنه يحد من الضغوط التضخمية. وهذا الأمر موضع اهتمام كبير في "الرؤية" وبرامجها. قد ترتفع أسعار النفط كثيرا في المستقبل القريب، ومن ثم يرتفع دخل الدولة كثيرا، ما قد يغري بالتوسع القوي في الإنفاق، خاصة الاستهلاكي. ولو حدث ذلك فسنشهد معدلات تضخم عالية. لكن الإعلان التمهيدي التقديري لميزانية العام المقبل 2019 أشار بوضوح إلى أن هناك ما هو أهم من التوسع الكبير في الإنفاق الحكومي الاستهلاكي. بين حاجة قوية إلى الاستمرار بشكل أقوى في مسار السيطرة على معدلات العجز والدين العام، وتخفيف آثار تقلبات أسعار النفط من خلال تنمية الإيرادات غير النفطية، ورفع كفاءة النفقات التشغيلية والرأسمالية. والجميع لخدمة تعميق تنويع مصادر النشاط الاقتصادي في المملكة، وزيادة فعالية القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي. وكل هذه قضايا من صلب اهتمامات "الرؤية". وبالله التوفيق.
إنشرها