شيء من الغموض ضروري لبناء «الكاريزما»

|

الغموض قوة أخرى لبناء "الكاريزما" عندما يحسن القائد توظيفها. ينبغي لكل من تولى عملا قياديا أن يعلم أنه ليس بالضرورة أن كل من يحيط به يجب أن يعرف جميع تصرفاته وسلوكياته؛ فهناك بعض الأعمال والمهارات والسلوكيات ينبغي أن تكون في طي الكتمان، وأن يحيطها القائد بسرية تامة.
يفترض أن يكون هناك جانب غامض في شخصية القائد نفسه لا يطلع عليه أحدا، فهذا الغموض سيضفي على شخصيته الشيء الكثير وسيتمتع بقوة ويعجب الناس به ومن ثم تتكون لديه "كاريزما". من الضرورة أن يوهم القائد من حوله أنه يؤدي أعمالا يعجز غيره عن القيام بها، ينبغي أن يجعل أتباعه وأنصاره وأعداءه أيضا يتساءلون ويسألون "كيف يستطيع أن يفعل مثل هذا العمل؟". يقول اللواء بالقوات الجوية الأمريكية "وليام كوهين" شيء من الغموض في نمط الشخصية القيادية ضروري لبناء "الكاريزما" وإضفاء شيء من الهالة والكبرياء عليها.
ولكن كيف يطبق القائد ويستفيد من حالة الغموض لبناء "الكاريزما"؟ نحن نرى ونلاحظ أولئك الذين يقومون بالحركات الاستعراضية في بعض العروض المسرحية، خصوصا تلك التي تتميز بخداع البصر وخفة اليد، يقوم هؤلاء باستغلال حركاتهم السريعة لإيهام الحضور أنهم يقومون بأعمال تفوق قدرة الإنسان، مثل أن يحضر فيلا إلى المسرح ويجعله يختفي من أمام الناس فلا يراه أحد، أو أن يتم تقييد رجل بالسلاسل وإلقاؤه في عمق خزان مليء بالماء، ويتم غلقه بإحكام، إلا أن الجمهور يفاجأ بخروجه من كل تلك القيود بمفرده. أو أن يقوم أحد الحضور بقطع رجل مستلق على أرضية المسرح نصفين بسيف أو بآلة حادة ويبقى على قيد الحياة. وهناك حيل أبسط من ذلك مثل إخفاء أوارق اللعب أو العملات الورقية أو المعدنية أو أي من هذه الحركات التي تبهرنا جميعا. والمشكلة والانبهار ليس في حجم الحيلة بل في كيفية أدائها التي تصعب على من يراها أن يعمل مثلها وهذا سر انبهارنا بها.
مثل هذه الأفعال ترسخ في أذهاننا أن هؤلاء يتمتعون بقدرات تفوق ما لدينا لأن الحيل التي يقومون بها أحاطتهم بشيء من الغموض، وهذا الغموض كان سر الهالة التي أحاطوا أنفسهم بها. ولهذا لا يمكن لهؤلاء أن يخبرونا بطريقة أدائهم لتلك الحيل لأنهم يدركون أنهم لو فعلوا لفقدوا تلك الهالة التي تحيط بهم. فنحن نعرف بالطبع أنهم ليسوا سحرة، ولكن كل ما يفعلونه هو خداع البصر، والسر وراء ما يتمتعون به من "كاريزما" هو أنهم يقومون بعمل لا نستطيع نحن القيام به.
وهذا ما ينبغي أن يعمله القائد إذا أراد أن يبني له "كاريزما" فليس بالضرورة أن يكشف القائد كل أوراقه، بل عليه أن يحيط نفسه بهالة من الغموض كما يفعل أصحاب العروض الاستعراضية على أرضية المسرح من أجل إيهام الأتباع أن لديه قدرات ليست لديهم. فعلى سبيل المثال لو قمت بإعداد تقرير ضخم، وقد تكون قد بذلت فيه مجهودا مضنيا، وسهرت من أجله عدة ليال، فلا تخبر أحدا بكل هذه التفاصيل، ولا تذكر أنك سهرت الليالي من أجل إنجازه، فهذا لن يفيدك كثيرا، بل تبسم وكأن الأمر سهل للغاية، وهذا إيحاء أن لديك قدرات لا توجد إلا عندك.
ولو طورت استراتيجية تسويقية كبيرة في ثلاثة أيام، وقد تحتاج إلى شهر من العمل المتواصل؛ فليس هناك ما يدعو لأن تخبر الناس أن ما فعلته كان مجرد تحديث لاستراتيجية قديمة كنت أنت قد طورتها منذ خمس سنوات. مثل هذه الأعمال تبهر من حولك، وهناك الكثير والكثير يمكن أن تستشفه من آليات عملك، وليس بالضرورة أن يكون ما تقدمه عملا جوهريا، بل قد يكون عملا ثانويا أو ليس له علاقة بأعمال الشركة، ولكن من الضرورة أن يترسخ في أذهان من تعمل معهم أنك تستطيع القيام بأعمال تفوق قدرة الإنسان العادي. بطبيعة الحال لا تحاول أن تغش أو تكذب أو تسرق مجهود غيرك. فقط أحط نفسك بهالة من الغموض بمجهودك أنت والأمر سهل فقط إخفاء آليات الأداء.
كلام كهذا لا يتعارض مع ما ذكرته في مقال الأسبوع الماضي عندما ذكرت أن عليك أن تبلّغ مرؤوسيك بكل تفاصيل العمل والهدف الجسور الذي تنوي تحقيقه وطريقة الوصول إليه هذا الأمر مختلف تماما. القائد لن يستطيع تحقيق الأهداف العظيمة أو الوضيعة دون مساعدة المرؤوسين؛ لذا ينبغي أن يقدر الأتباع عظمة الهدف ويتعرفوا على خطوات تحقيقه فإن لم يقتنعوا فسيبقى القائد في دوامة لن يستطيع الخروج منها لذا لا يكفي وضع الهدف بل توضيح الطريق المؤدي إليه.
فالأهداف الجسورة وطريقة الوصول إليها ينبغي أن تكون واضحة وملهمة، أما الغموض الذي نتكلم عنه الآن فهو في إبراز قدرات تفوق قدرات من يعملون معك وتوحي إليهم أنك مختلف عنهم، وكلا الأمرين "الأهداف الجسورة" و"هالة الغموض" يحققان الهدف نفسه وهو بناء "الكاريزما".

إنشرها