أخبار اقتصادية- عالمية

«أونكتاد» تدخل على خط الحرب التجارية: سلاسل الإمداد العالمي في خطر

قالت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" كلمتها في الحرب التجارية التي بدأت ملامحها في الظهور، مُقلِّلة من أثرها المُباشر في الاقتصادات المعنية بهذه الحرب. غير أنها حذَّرت من أن النتائج غير المباشرة المترتبة عن الحرب التجارية لها نتائج أكثر خطورة.
وقدَّمت المنظمة من مقرها في جنيف أمس إسقاطات نموذجية لتصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة، وكندا، والصين، واليابان، والمكسيك، وجمهورية كوريا، والاتحاد الأوروبي.
وقالت "إنه يبدو أن الأثر المباشر للزيادات التعريفية الفعلية في الاقتصادات المعنية لا يكاد يذكر، فعلي سبيل المثال، بلغت التعريفات الأخيرة للولايات المتحدة 34 مليار دولار من الواردات من الصين، أو أقل من 0.02 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة". غير أن المنظمة قالت "إن الآثار غير المباشرة المترتبة على الحرب التجارية قد أثارت قلقاً أكثر خطورة، حيث تُركِّز معظم التقييمات على الآثار الجانبية للإمدادات مثل احتمال تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، واحتمال أن تصبح تدفقات التقنية عبر البلدان أكثر تقييداً".
ومن خلال عدسة "أونكتاد"، فإن الأثر الأخطر للحرب التجارية يتمثل في التسبب في انخفاض الطلب الكلي، بغض النظر عن مدى معاناة أحجام التجارة. في النتيجة، تظل الإسقاطات ذات أهمية حتى إن تم في نهاية المطاف نزع فتيل التوترات التجارية الحالية.
تقول "أونكتاد"، "إنه لا يمكن النظر إلى أثر السياسة التجارية بمعزل عن عدم كفاية الطلب الكلي (يعني أن المنظمة لا تفترض العمالة الكاملة، ولا نمواً أو التوزيع المستمر للدخل)، وتزايد أوجه الضعف المالي التي أصبحت محطاً محورياً للاقتصاد العالمي اليوم".
وأوردت "أونكتاد" في دراسة ستصدر غدا بعنوان "الاتجاهات الراهنة والتحديات في الاقتصاد العالمي" رؤيتين (سيناريوهين)، رؤية "خط الأساس" الذي يرسم المسار الذي سيسلكه الاقتصاد العالمي بدون حرب تجارية أو أي صدمات خارجية، ورؤية "الحرب التجارية".
قبل أن تُقدِّم "أونكتاد" رؤيتيها، قسَّمت الاقتصاد العالمي إلى 30 بلداً "مجموعة"، تشمل 19 بلداً منفرداً "الأرجنتين، أستراليا، البرازيل، كندا، الصين، فرنسا، ألمانيا، الهند، إندونيسيا، إيطاليا، اليابان، المكسيك، روسيا، السعودية، تركيا، جمهورية كوريا، جنوب إفريقيا، بريطانيا، والولايات المتحدة" و11 مجموعة "تكتل"، الاتحاد الأوروبي، البلدان المتقدمة الأخرى، الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية، "الدول الاشتراكية السابقة في أوروبا الشرقية"، شرق آسيا، غرب آسيا، وبلدان أخرى في جنوب آسيا والمحيط الهادئ، بلدان أمريكا الجنوبية، منطقه البحر الكاريبي، شمال إفريقيا، ودول إفريقية كبرى.
ولتسهيل العرض، تقول "أونكتاد"، "ن الكتل الـ 30 هي خلفية لعدة كُتل يُمكن تجميعها في ست. ثلاث منها مشاركة في الحرب التجارية، الصين، والولايات المتحدة، والبلدان المتحاربة الأخرى "كندا، اليابان، المكسيك، جمهورية كوريا والاتحاد الأوروبي". وتضم التكتلات الثلاثة الأخرى "غير المتحاربة" البلدان المتقدمة الأخرى، والبلدان النامية الأخرى، وكتلة من البلدان الضعيفة النامية "الأرجنتين، والبرازيل، وإندونيسيا، وجنوب إفريقيا، وتركيا" التي تتسم بمعدلات نمو متقلبة، واختلالات مستمرة في الحساب الجاري، وارتفاع كبير في حجم الالتزامات الخارجية الصافية، وتقلبات كبيرة في أسعار الصرف.
تقول المنظمة "إن التحديات التي تواجهها البلدان الضعيفة تتقاسمها، بدرجة أقل، عديد من الاقتصادات الأخرى المتقدمة النمو والنامية على السواء". تخلص "أونكتاد" إلى القول، "بالنتيجة، ورهناً بهشاشة هذه القدرات، قد يخضع عديد من هذه الاقتصادات لهزَّات مالية كبرى في حالة تصاعد الحرب التجارية".
تستند رؤية "سيناريو" أونكتاد إلى الحرب التجارية أن النتائج الرئيسة لتصاعد التعريفات ستأتي من تعديلات في الاقتصاد الكلي، وليس من تغيير أحجام التجارة. ولاستكشاف هذه العواقب، يفترض أن تعوِّض الحكومات مُصدِّريها تعويضاً كاملاً عن أي رسوم جمركية تُدفع للحكومات الأجنبية، بحيث لا يكون للزيادة الجديدة للتعريفات أي تأثير مباشر في أحجام التجارة. ومن المتوقع أن تتغير أحجام التجارة في نهاية المطاف بسبب التغيرات في الدخول الوطنية "التي تؤثر في طلبات الاستيراد" بدلاً من التعريفات.
وفي حين إن تقلبات أسعار الصرف القصيرة الأجل تنعكس عموماً في التغيرات التي تطرأ على الأرباح، حثَّت "أونكتاد" على أن يكون صناع السياسات في الحرب التجارية "استباقيين"، و"أن تستجيب الحكومات لطلبات المصدرين" دون التأخر في تنسيق السياسات على استراتيجيات النمو التي تقوم على زيادة حصص الصادرات، أو الحفاظ على معدلات حصص البلاد التصديرية السابقة، على أقل تقدير.
ومن منظور الاقتصاد المستورد، تقول "أونكتاد"، "ينبغي أن يكون واضحاً أن شبكة الإنتاج والتخصص لا يمكن إعادة بنائها محلياً بين يوم وآخر. وأن الهيكل المحلي القائم للإنتاج، وكذلك أنماط الاستهلاك لا يُمكن تغييرها بشكل جذري. ومن منظور المنتجين في البلد المصدِّر، فإن الأثر المترتب على إغلاق السوق الكاملة للبلد المستورد بسبب "تكلفة التعريفة" سيكون له بالتأكيد آثار أشد من حيث العمالة والاستقرار الاجتماعي في البلد الأصلي من "تكلفه السعر" للمصدر نفسه". بعبارة أخرى، "فإن الآثار المحلية لزيادة التعريفات التي تواجه في الخارج تصبح شاغلاً اجتماعيا واقتصادياً أكبر بكثير لصانعي السياسات مما تمثله التعريفة الفعلية". وباختصار، فإن هذا الافتراض يعكس ببساطة التجربة التاريخية المعروفة التي مفادها أنه عندما يواجه قطاع الشركات صعوبات مالية، فإن الحكومة عادةً ما تتخذ خطوات مع آليات الدعم.
في الوقت نفسه، يُفترض أن يواصل المنتجون، ولا سيما الشركات الكبيرة التي زادت حصتها في السوق على مدى العقدين الماضيين، ممارسة نفوذهم في أسواق العمل لخفض تكاليف الأجور استجابة لبيئة تجارية أكثر تحدياً، إضافة إلى ذلك، ستسمح بعض البلدان بأن تنخفض أسعار الصرف الحقيقية لديها انخفاضاً هامشياً للمحافظة على حصص السوق العالمية.
باختصار، فإن رؤية "أونكتاد" تعرض الحالة التي ستؤدي فيها التعريفات الجمركية المتزايدة إلى قيام حكومة كل طرف من الأطراف المتحاربة بسداد مستحقات مصدريها بهدف الاحتفاظ بحصص التصدير العالمية وتجنب انهيار العمالة، بينما في الاقتصاد المتلقي المحلي ستظل الأسعار، من حيث المبدأ، عند المستويات السابقة.
وفي "سيناريو" الحرب التجارية، يفرض التصعيد التعريفي ضغوطاً تنازلية على الأجور ويولد عدم اليقين حول مسار السياسة الاقتصادية. هذا الأمر يضر بالطلب الكلي والنمو الاقتصادي وفي نهاية المطاف بالنشاط التجاري والاستقرار المالي.
وبشكل أكثر تحديدا، يتم تعريف السيناريو بواسطة الافتراضات الأربعة التالية:
أولاً، التعريفات الجمركية: يُفترض أن تفرض الولايات المتحدة تعريفة بنسبة 20 في المائة على جميع وارداتها من الصين وثلثي وارداتها من كندا واليابان والمكسيك وجمهورية كوريا والاتحاد الأوربي. ومن المفترض أن الصين وهذه البلدان الأخرى ستنتقم من الإجراء الأمريكي بفرض تعريفات مكافئة، الدولار مقابل الدولار. ولا تفترض "أونكتاد" أن يفرض أي بلد تعريفات أعلى من تلك التي استهدفته، ولا يفرضها على نطاق وحجم تجاري أكبر.
ثانياً، الإيرادات الجمركية: ستعوِّض الحكومات المتحاربة مصدريها بالكامل عن التعريفات التي تُدفع للحكومة الأجنبية وذلك باستخدام الإيرادات المتحصلة من فرض ضرائب على الواردات. وطالما كان ذلك غير كافٍ، فإنها ستلجأ إلى استخدام الإيرادات الضريبية العامة. إذا كان هذا المزيج من التعريفات والتحويلات ينتج إيرادات صافية، فإن هذه ستُستخدم للحد من عجز الحكومة والديون. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تكسب الحكومة الأمريكية في 2019 نحو 280 مليار دولار من التعريفات الجمركية وأن تحوِّل إلى الشركات التصديرية الأمريكية 181 مليار دولار للتعريفات التي تدفعها إلى كندا والصين واليابان والمكسيك وجمهورية كوريا والاتحاد الأوروبي – نسخه من ضريبة ضبط الحدود. بالنتيجة، من المتوقع أن تحصل حكومة الولايات المتحدة على 99 مليار دولار صافية من الإيرادات التي ستستخدمها لتخفيض عجزها وديونها.
في إطار هذا الافتراض، من المتوقع أن تتم إعادة توزيع الموارد: الأعمال التجارية ستنقل الموارد إلى الحكومات الأجنبية "على شكل تعريفات"، وستقوم هذه بنقلها إلى شركاتها المصدرة "في شكل عمليات سداد".
على الصعيد العالمي، فإن نتيجة هذه التدفقات المالية هي نقل الموارد بين الحكومات، مع حصول بعضها على إيرادات صافية وخسائر أخرى صافية. سيكون أكبر نقل من الصين إلى الولايات المتحدة، بحجم مالي قدره 0.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين. تشير التقديرات إلى أن البلدان الأخرى التي ستعاني خسائر صافية هي اليابان، والمكسيك وجمهورية كوريا، بدرجات أقل بكثير من تلك التي ستشهدها الصين، سواء بصورة مطلقة أو بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.
ثالثاً، تخفيض قيمة العملة: ستلجأ البلدان التي تعاني خسارة مالية صافية إلى تخفيض سعر الصرف لعملتها في محاولة لزيادة حصتها من الصادرات والحصول على إيرادات تصديرية إضافية. في السنوات الأخيرة، تحقق استهداف أسعار الصرف من خلال مجموعة متنوعة من الإجراءات، بما في ذلك "التعويم المدار"، والتيسير الكمي، وغير ذلك من أشكال توسيع السيولة.
ولأغراض هذه المحاكاة، تفترض "أونكتاد" أن تقوم الصين واليابان والمكسيك وجمهورية كوريا، وهي البلدان التي ستقوم في نهاية المطاف بتسديد صافي التعريفات الجمركية إلى الولايات المتحدة، بتخفيض عملاتها بنسبة 2 في المائة تقريباً عن خط الأساس.
رابعاً، حصص اليد العاملة: تقول "أونكتاد"، "إنه مع اللجوء إلى الحرب التجارية، من المفترض أن تنخفض حصص اليد العاملة من الدخل القومي لتبرير النداءات الداعية إلى مزيد من الأجور". والانخفاضات المتوقعة هي تقريباً نصف تلك التي تم تسجيلها خلال فترة الركود والتباطؤ الاقتصادي في العقدين الأخيرين. سيؤدي هذا الانخفاض إلى تعميق التخفيضات الحقيقية لأسعار الصرف، التي لا تعتمد فقط على المعدل الاسمي بل أيضاً على التضخم المحلي.
ستكون النتيجة المباشرة لإعادة توزيع الدخل إضعاف الطلب المحلي، نظراً لأن القدرة الشرائية المنخفضة نسبياً للعمال تتسبب في تباطؤ الاستهلاك. وتمت ملاحظة ذلك في جميع البلدان المتحاربة، مع أكبر الآثار المتوقعة في الصين وغيرها من البلدان المتحاربة، ولا سيما ألمانيا واليابان وجمهورية كوريا. سيكون لضغط الأجور والطلب الإجمالي الضعيف أثر غير مباشر في البلدان الأخرى أيضاً، ولوحظ ذلك في شكل انخفاض طفيف في حصصها من الأجور، وقد حصل هذا تماماً، وليس افتراضاً.
آثار هذه التحولات سيشعر بها المستثمرون على الرغم من الزيادة الضمنية في حصص الأرباح. التقديرات التي قد تؤثر في الاستثمار قد تكون كبيرة في جميع البلدان المتحاربة. من المتوقع أن ينخفض معدل نمو الاستثمار الخاص في الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وشرق آسيا، بمقدار نقطة مئوية واحدة تقريباً في السنة حتى عام 2023، ما يؤدي إلى انخفاضات تراكمية تناهز 6 في المائة أو أكثر.








ستشهد بلدان أخرى أيضا انخفاضاً في الاستثمارات بسبب التأثير العالمي السلبي في الطلب الكلي النابع من البلدان المتحاربة، فضلا عن ضعف الثقة. الأثر المترتب على تباطؤ اتجاهات الاستثمار في النمو الاقتصادي هو أكثر وضوحاً بكثير مما هو عليه في الظروف الأخرى. في هذه الحالة، فإن الاستثمار في جميع الاقتصادات التي تم التركيز عليها تقريباً شهد اتجاها تنازليا نسبيا في السنوات الأخيرة. علاوة على ذلك، وكما حدث أيضاً في الفترات السابقة من التباطؤ الاقتصادي الناجمة أساساً عن ضعف طلب المستهلكين، فإن التباطؤ أو الانخفاض في الطلب على الاستهلاك والاستثمار يؤثران في النمو بطرق واضحة.
تقول "أونكتاد"، "إنه من المتوقع أن تضر الحرب التجارية بالنمو وتوزيع الدخل والعمالة في جميع البلدان، رغم أن ذلك سيكون أكثر وضوحا في البلدان التي يفترض أنها ضالعة في المناوشات التعريفية".
ومن المسلَّم به أن الولايات المتحدة ستشهد انخفاضاً في العجز في الحساب الجاري، بينما ستشهد الصين، بدرجة أقل البلدان المُتحاربة الأخرى، الأثر المعاكس لانخفاض الفوائض. بالنسبة إلى الولايات المتحدة والصين، فإن ذلك سيكون بالكامل تقريباً نتيجة لنقل التعريفات وليس بسبب تغيير في تشكيلة الإنتاج والطلب العالميين. والواقع أن الصدمات التي ستنجم عن التوزيع والاستهلاك والاستثمار على الصعيد العالمي ستؤدي إلى تباطؤ كبير في الطلب العالمي، ومن ثم إلى نمو الصادرات والواردات. وبسبب تباطؤ الصادرات، ستتكبد الصين والبلدان النامية الأخرى خسائر حقيقية في حسابها الجاري. بيد أن الصين ستتمكن من استعادة معظم مواقعها الخارجية بعد أربع سنوات، نتيجة للتسوية الحقيقية لأسعار الصرف، ومواصلة روابطها التجارية مع الشركاء الآخرين غير المشاركين مباشرة في النزاع التجاري.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية