أخبار اقتصادية- عالمية

خريطة طريق عالمية لتوفير الأدوية بأسعار رخيصة

تعكف منظمة الصحة العالمية على اعتماد خريطة طريق لتوفير الأدوية حول العالم بأسعار رخيصة.
يأتي ذلك بعد أن سلم المجتمع الدولي بأن مسألة الحصول على الأدوية لم تعد شاغلا للبلدان النامية والبلدان المنخفضة الدخل فحسب، بل أصبحت تحديا عالميا. 
ومن هذه الحقيقة كُلِّفَت منظمة الصحة العالمية من قبل جمعيتها السنوية الأخيرة بصياغة خريطة طريق للسنوات الخمس المقبلة تُيسِّر الوصول إلى الأدوية بأسعار رخيصة.
وناقشت منظمة الصحة العالمية مسودة أولية لخريطة الطريق في جنيف الأسبوع الماضي مع الدول الأعضاء وأصحاب الشأن بما فيها شركات الأدوية تم خلالها تقديم مجموعة من التعليقات على خريطة الطريق التي تضم عشرة مجالات للنشاط ذات أولوية، وعددا من النقاط المستهدفة.
وتم تطوير "المسودة صفر" - تُسمى أيضا "المسودة الأولى" - لخريطة طريق للوصول إلى الأدوية 2019-2023، عقب مشاورات مع الدول الأعضاء بدأت في تموز (يوليو)، أجرت بعدها المنظمة دراسة استقصائية في الفترة من 9 تموز (يوليو) إلى 31 آب (أغسطس). أجاب نحو 56 بلدا عن الاستقصاء التي تضمن 31 سؤالا، كانت من بينها السعودية.
في إجاباتها، أيدت السعودية أن يكون مجال "البحوث لتطوير الأدوية واللقاحات التي تلبي احتياجات الصحة العامة" و"التسعير العادل للأدوية" ومنح مزيد من الشفافية على "سياسات التمويل للأدوية" و"تنظيم عملية شراء الأدوية" و"تتبع سلسلة التوريد" و"توصيف الأدوية" جزءًا من خريطة الطريق. 
كما أيدت السعودية أيضا أن تشمل خريطة الطريق "أنظمة فعالة تضمن جودة وسلامة وفعالية الأدوية واللقاحات"، وبنودا تتعلق بـ "الاستعدادات للطوارئ"، وأنظمة تتعلق بـ "جمع ورصد واستخدام البيانات الرئيسة للأدوية".
ويهدف مشروع خريطة الطريق إلى "معالجة النقص الشامل في الأدوية واللقاحات، وتوفير إمكانية الحصول عليها بأسعار رخيصة". 
وتم تبسيط الهدف الأخير بعشرة مجالات للنشاط سيتم تناولها خلال السنوات 2019-2023، من بينها البحث والتطوير في مجال الأدوية واللقاحات التي تلبي احتياجات الصحة العامة، والتسعير العادل، وسياسات التمويل، وتطبيق وإدارة الملكية الفكرية للمساهمة في الابتكار وتعزيز الصحة العامة، وإدارة سلسلة المشتريات والإمدادات، والتوصيف المناسب للأدوية، والنُظم واللوائح التي تضمن جودة الأدوية واللقاحات وسلامتها وفعاليتها، والتأهب للطوارئ، وجمع البيانات الرئيسة ورصدها واستخدامها.
ويحدد مشروع خريطة الطريق إجراءات معيَّنة لمعالجة حقيقة أقرتها منظمة الصحة العالمية بأن نموذج السوق الحالية للأدوية يفشل في تقديم منتجات دوائية لمجموعات معينة مثل الأطفال، وأن الشركات تحجم عن تصنيع المنتجات الطبية ذات العائد المحدود مثل المضادات الحيوية الجديدة، أو الأدوية المعنية بما يُسمى بالأمراض المُهملة التي لا تلقى سوى القليل من الحوافز البحثية المالية.
وحول ما يتعلق بالتسعير العادل للأدوية، يشير مشروع الوثيقة إلى أن عديدا من الناس في جميع أنحاء العالم لا يحصلون بشكل كاف ومنتظم على "حتى سلَّة محدودة من الأدوية الأساسية البسيطة والمنخفضة التكلفة". 
وتضيف الوثيقة التي اطلعت "الاقتصادية" عليها، أنَّ "الأغلبية العظمى من الفقراء والأطفال غير المُلقَّحين لا يعيشون الآن في البلدان الفقيرة فحسب، بل في المتوسطة الدخل أيضا". 
ويتضمن المشروع إجراءات لدعم البلدان التي تختار الأدوية واللقاحات والتشخيص وغيرها من التقنيات الصحية، و"تسعير شفاف وعادل للأدوية"، و"تنفيذ سياسات لخفض التكاليف الحكومية، مع ضمان الجودة والسلامة والكفاءة والإمدادات المستدامة". 
ويقترح المشروع تعزيز التعاون العالمي والإقليمي لزيادة شفافية الأسعار ودعم اتخاذ القرارات بشأن التسعير والسداد. 
ويسلط المشروع الضوء أيضا على تقديم الدعم التقني وبناء القدرات للبلدان، بالتعاون مع المنظمات الدولية المختصة، ومساعدة البلدان التي تنوي الاستفادة من الأحكام الواردة في اتفاق منظمة التجارة العالمية بشأن جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة، بما في ذلك مواطن المرونة المعترف بها في اتفاق "تريبس" من أجل تعزيز وصولها إلى المنتجات الصيدلانية.
وخلال المشاورات التي جرت في الأسبوع الماضي، أيدت أغلب الدول الأعضاء توسيع نطاق خريطة الطريق لتشمل منتجات الصحة الطبية الأخرى، مثل التشخيص في المختبر، وإبراز أهمية الإنتاج المحلي.
ومن المقرر أن يتم تقديم مشروع خريطة طريق آخر منقح في كانون الأول (ديسمبر) يتم رفعه إلى اجتماع المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة في كانون الثاني (يناير)، وإلى الهيئة العامة في أيار (مايو) 2019.
وكان لشركات صناعة الأدوية كلمتها في "خريطة الطريق" هذه. وأيضا كانت هناك كلمة لمنظمات المجتمع المدني المدافعة عن الحق في الحصول على الأدوية بأسعار رخيصة.
وأكد الاتحاد الدولي لصانعي الأدوية وجمعيات المستحضرات الصيدلانية "آي إف بي إم آي"، أهمية الشراكة بين منظمة الصحة العالمية وشركات الأدوية في إعداد خريطة الطريق، مبينا أن مشاركة القطاع الخاص في مشروع خريطة الطريق "مفقودة إلى حد كبير".
وقال إنَّ الملكية الفكرية تظل الحافز الرئيس لمواصلة البحث والتطوير في مجال الصحة، وإن النموذج الحالي القائم على الملكية الفكرية هو مُحفِّز ناجح على البحث والتطوير، وعليه "فإن نجاح نموذج البحث والتطوير الحالي يحتاج إلى الاعتراف به في خريطة الطريق". 
وحذَّر الاتحاد أيضا من قيام منظمة الصحة العالمية بأعمال "خارج نطاق ولايتها ومجالات خبرتها" أو قيامها "بتفسير المعاهدات أو القرارات الرئيسة الصادرة عن منظمات دولية أخرى" (المقصود هنا اتفاقية تريبس لمنظمة التجارة العالمية). ونبَّه الاتحاد أن قانون الملكية الفكرية "مسألة معقَّدة تحتاج إلى تكييفها مع فُرادى الدول".
وذكر أن سياسات التسعير ينبغي أن تستند إلى القيمة العلاجية والمجتمعية للطب وليس إلى تكلفة الإنتاج. ووفقا له، فإن "سياسات التسعير في حد ذاتها لا تعالِج بفعالية القدرة على تحمُّل التكاليف وينبغي النظر إليها ضمن السياق الأوسع لسياسات الوصول المستدام للأدوية".
وعلى نحو مُغاير، دعت عدة منظمات من المجتمع المدني، مثل "مركز الجنوب"، و"أطباء بلا حدود" و"أوكسفام" مع 15 منظمة أخرى أن تأخذ خريطة الطريق في الاعتبار "بصورة أكثر سعة وشمولا" توصيات فريق رفيع المستوى عينه الأمين العام للأمم المتحدة حول الحصول على الأدوية.
ومن بين تلك التوصيات، طلب مركز الجنوب من منظمة الصحة العالمية إنشاء قاعدة بيانات دولية ميسَّرة بشأن أسعار الأدوية المسجلة ضمن حقوق الملكية الفكرية، والأدوية المستنسخة في القطاعين الخاص والعام في جميع البلدان التي سجلت فيها.
وقالت المنظمات الـ 15 إنه يتعين على منظمة الصحة العالمية أن تدعو إلى عقد دورة استثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الحصول على الأدوية واللقاحات في 2019. واقترحت على المنظمة كتابة خريطة الطريق بلغة عملية، مبسطة، تستند على الشفافية، وأن تميل إلى الإفراط في السعي لخفض أسعار الأدوية.
وانتقد مركز الجنوب النهج المتبع إزاء الملكية الفكرية في مشروع خريطة الطريق. وقال إن إدارة الملكية الفكرية ليست من اختصاص منظمة الصحة العالمية، وإن التركيز ينبغي أن ينصب على استخدام المرونة التي ينطوي عليها اتفاق "تريبس".
وطلبت "أوكسفام" أن تؤكد خريطة الطريق دور منظمة الصحة العالمية في اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والإقليمية حتى تتمكن من التحذير من الأحكام التي يمكن أن يكون لها تأثير سلبي في الصحة العمومية. 
وقالت إن على المنظمة أن تُدعم أيضا البلدان التي تواجه ضغوطا عند تنفيذ أي مرونة في اتفاق "تريبس".
وشددت "مبادرة عقاقير من أجل الأمراض المهملة" على أهمية دعم الدول الأعضاء التي تطالب بفصل تكاليف البحث والتطوير عن أسعار المُنتجات وحجمها. وقالت إن خريطة الطريق لا تعكس أهمية التشخيص أو الاحتياجات الخاصة للأطفال. ودعت "أوكسفام" إلى إعداد نموذج للفصل بين تمويل البحث والتطوير وبين سعر منتجات الأدوية، خاصة ما يتعلق بالأمراض المهملة.
واعترضت منظمة أطباء بلا حدود على تعريف "التسعير العادل" في مشروع خريطة الطريق قائلةً إن التسعير العادل لا يعني إيجاد خوارزمية من شأنها أن تُعطي آلية لسعر عادل لكل دواء، بل بشروط مفاوضات التسعير بين الصحة العامة والمصالح التجارية لتحقيق التوازن.
وأصرت منظمة أطباء بلا حدود على الحاجة إلى الشفافية في تحديد أسعار الأدوية، والإفصاح عن الاستثمارات العامة والخاصة التي تم إنفاقها لتطوير المنتج الدوائي. وقالت "هناك أيضا حاجة إلى معرفة الفوائد السريرية الحقيقية للمنتجات الدوائية مقارنة بالخيارات العلاجية القائمة. 
ووفقا لـ "أطباء بلا حدود"، فإن خريطة الطريق تُضعف الولاية الممنوحة لمنظمة الصحة العالمية، وتمنت أن يكون لها دور أكبر في حل المسائل المتعلقة بأسعار الدواء والوصول إليه.
ودعت المجموعات الـ 15 إلى الشفافية في كشف تكاليف البحث والتطوير، والتجارب السريرية، وحجم إنفاق القطاع الخاص على تطوير المنتجات الدوائية، ونفقاته على التسويق، وحجم إيراداته.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية