«بريكست» .. في مرحلة الخطر الكبير

|
الاتهامات والاتهامات المضادة لا تزال تتصاعد بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وهي خطيرة لأن الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاق "طلاق" بينهما يقترب متسارعا، ولأن أيا من الطرفين لم يضع التدابير اللازمة لما بعد الخروج البريطاني، ولأن الخلافات السياسية المحلية في بريطانيا تزداد عنفا كلاميا حتى بين وزراء الحكومة. المشهد العام لهذا الانفصال بات خطيرا، ولا توجد أية مؤشرات "حتى الآن" تدل على حل سهل ممكن. ولأن الأمر كذلك، فقد صار الحديث عن الخروج البريطاني بلا اتفاق حاضرا بقوة على الساحة، بما في ذلك التهديدات البريطانية، أن لندن لن تدفع ما يستحق عليها إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد. وهذه الأموال تصل إلى 50 مليار يورو تقريبا. القادة الأوروبيون واضحون، ويستندون إلى مبدأ أنه لا يمكن التفاوض حول المصالح الأوروبية بصرف النظر عن أي اعتبارات، كما أنهم شددوا على أنه لا يمكن للندن رفض دفع الأموال المتوجبة عليها حتى دون أي اتفاق. والواضح أيضا، أن أيا من المفاوضين الأوروبيين والبريطانيين ليس متفائلا باتفاق مقبل، خصوصا بعدما تم تدمير خطة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بشأن الخروج. وهذا التدمير تم على أيدي نواب ووزراء في حكومتها نفسها! ما زاد من قوة الموقف الأوروبي، الذي ينادي بضرورة أن تقدم بريطانيا شيئا مقبولا، والأهم تقديم شيء تتفق عليه مؤسساتها السياسية المحلية. لكن ليس لدى ماي ولا حكومتها ما يمكن تقديمه حاليا غير الخطة التي حملت اسم "تشيكرز"، رغم أنها لم تعد ذات معنى. على بريطانيا الخروج من الاتحاد بنهاية آذار (مارس) من العام المقبل، وهي الآن ليست جاهزة لأي خطوة في هذا الاتجاه، بما في ذلك المسائل اللوجستية، ناهيك بالطبع عن المشكلة الأكبر وهي تلك التي تتعلق بأيرلندا الشمالية، الإقليم البريطاني الذي يمتلك علاقات خاصة مع أيرلندا العضو الكامل في الاتحاد الأوروبي. ليس هناك "حتى اليوم" أي تصور لشكل العلاقة بين الإقليم والجمهورية، ما يزيد الأمر تعقيدا على الساحة البريطانية. فلندن لا يمكنها أن تضحي باتفاق السلام الأيرلندي، وهي في الوقت نفسه لا تستطيع القبول بأي توجه لانفصال الإقليم عنها، علما أن الحديث في هذا الشأن بدأ يتزايد أيضا. المسائل معقدة بالفعل، رغم أنه يجب أن تكون أقل تعقيدا بعد أشهر من بدء المفاوضات بين لندن وبروكسل. ليس هناك شيء محدد واضح الآن بشأن الانفصال البريطاني. الشيء المؤكد أن الاتحاد الأوروبي ليس مستعدا للحلول الوسط، أو لن يقبل بعقد اتفاقات تجارية بعد الانفصال تمنح المملكة المتحدة مزايا لا تحصل عليها إلا الدول الأعضاء في الاتحاد. فالمشهد يبقى كما هو، فإما أن تقبل بريطانيا بكل شيء أو تترك كل شيء. لا معاملة خاصة. مع اقتراب الموعد النهائي للتوصل إلى اتفاق انفصال بين الطرفين، يتسابق الجميع من أجل تفادي خروج بلا اتفاق، وهذا يعني أن كثيرا من المواجهات التجارية والخدمية واللوجستية ستشكل المشهد العام بعد الخروج، ما يرفع التوتر أكثر فأكثر بين الاتحاد الأوروبي ودولة كانت عضوا مؤثرا ومحوريا في هذا الاتحاد. كما أن الخروج بلا اتفاق سيعزز الفوضى السياسية الراهنة على الساحة البريطانية نفسها، بل سيعيد طرح مسائل الانفصال ضمن الاتحاد البريطاني نفسه مرة أخرى، بعدما كانت قد ذهبت أدراج التاريخ.
إنشرها