أعجبتك؟

|

ترأسني قبل أكثر من عشر سنوات لشهور قليلة رئيس لا يجيد الحديث بهدوء. كل توجيهاته بانفعال، صغيرة كانت أو كبيرة. سواء في أيام الرخاء أو الشدة. أسوأ خبر ممكن يتلقاه أي موظف تحت إدارته هو أن يدعوه لاجتماع. فهو يعلم أن هذا الاجتماع يحمل تقريعا وقدحا وهجوما لا يتوقف. عندما يشاهده الزملاء يعبر من ممر يأخذون ممرا آخر. فالعبور بمحاذاته خطر لا يقل خطورة عن السير بجوار شاحنة متهالكة تفيض وزنا زائدا يقودها سائق متهور.
لا يمكن أن يقبل أي عمل يعرض عليه قبل أن يعيده أربع مرات على أقل تقدير. أصبحنا نقدم له العروض الأولى ونحن مهيؤون تماما للرفض. في الرابعة يقبل حتى لو كان التعديل طفيفا أو لم يكن. الجميع فهم اللعبة. قبل أن يعرض أي زميل عرضا له نسأله: "هذه المرة رقم كم؟ حتى نتبنأ له بالنتيجة. كان الرفض يمنحه شعورا بالبهجة. نراه يلمع في عينيه. كل ما تقدم كنت أحسبه أوهاما أو مبالغة حتى اعترف بنفسه أمامي بعد أن حضرت معه عرضا لجهة خارجية مارس عليها هجوما غير مبرر. وتهجم على أفرادها بشكل غير أخلاقي لا يمت للمهنية بصلة. فبعد أن خرجوا التفت نحوي بغطرسة وسألني :"أعجبتك، هزأتهم، أليس كذلك؟". وأكمل بعد أن نهض من كرسيه مغادرا قاعة الاجتماع: "هذا هو الأسلوب الذي يجعل منك قائدا مهابا".
لم أجد هذه الهيبة عندما رأيته مصادفة يتحدث مع ابنته المراهقة في أحد المجمعات التجارية. كانت تصرخ عليه وهو لا يحرك ساكنا.
أيقنت بعد هذه التجربة مع هذا المسؤول الذي لم يعمر طويلا في منصبه أن المدير الذي يدير يفرقه بالصراخ يعاني ضعف شخصية يستغله برفع الصوت وإظهار قوة زائفة.
القائد الحقيقي هو الذي يحترمه فريقه إثر تشجيعه ودعمه واهتمامه وذكائه، ويقدمون له الغالي والنفيس تقديرا وإيمانا برؤيته ورأيه.
الأواني الفارغة هي التي تحدث ضجيجا، لدي إيمان بالغ وعميق أن القائد الحقيقي هو قائد في كل مكان. في مكتبه ومنزله وغيرهما. القيادة ليست صراخا. فقد تقود الجميع بابتسامة وحب.
إذا سمعت شخصا يقود زملاءه بالصراخ والتهديد تذكر أنه شخصية خاوية فارغة وضعيفة عمرها وتأثيرها قصير مهما استمرت.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها