الاستدامة المالية .. والخدمات الصحية

|
تفخر المملكة بأنها الأكثر إنفاقا على الصحة من بين جميع دول الشرق الأوسط بإنفاق يتجاوز 150 مليار ريال، وهذا بالتأكيد يسعد أي مواطن من حيث إن حكومته لا تدخر جهدا في سبيل تمتعه وأسرته بالصحة، كما أن لهذا شواهد عدة، فهناك كثير من الإنجازات الكبرى، والمستشفيات في كل المدن، وهناك مستشفيات متخصصة ومراكز أبحاث متطورة، وبالمؤشرات فهناك أكثر من ألف مشروع سنويا، وتم تقليل فترة الانتظار لرؤية الطبيب في الطوارئ 13 في المائة، وتقليص فترة الانتظار في الطوارئ من لحظة اتخاذ القرار الطبي إلى الخروج 47 في المائة، وخفض إلغاء العمليات بأكثر من 50 في المائة، ورفع نسبة الخروج من المستشفى في نهاية الأسبوع 42 في المائة. ومع ذلك، فإن الصحة تظل تمثل تحديا كبيرا لكل شعوب الأرض. وكما أشار وزير الصحة في كلمته في افتتاح فعاليات ملتقى الصحة العالمي، فإنه رغم هذا الإنفاق الضخم، فإن الصحة تواجه تحدي الاستدامة المالية، والاستدامة المالية تعني هنا استمرار قدرتنا على الإنفاق رغم استمرار الارتفاع المطرد في تكلفة الخدمات الصحية، وهذا الارتفاع في تكلفة الخدمات حتمي، فكلما زاد عدد السكان تحسنت الظروف الصحية للبشر، وهنا يبدو الأمر متناقضا، لكن الحقيقة أنه كلما تحسنت الظروف الصحية، كنت في حاجة إلى خدمات أكبر للرعاية الصحية، خاصة لكبار السن، وكلما زاد التعداد السكاني، زادت مراجعة العيادات الأولية وعيادات الأمراض المزمنة، وزادت شكوى المراجعين وتذمرهم من سهولة الوصول إلى الخدمات الصحية، وهكذا تبدو الأمور أن الإنفاق متضاعف بدالة معينة ترتبط بتحسن الصحة العامة، وزيادة متوسط الأعمار، وعدد السكان، وتنوعهم الديمغرافي، ولا يمكن بأي حال إيقاف هذه العجلة التراكمية في الإنفاق على الصحة، إذ أي تراجع فيها قد يتسبب في مشاكل صحية عامة يصعب مواجهتها. لذا، فإن هذا الهاجس الرئيس أمام وزارة الصحة، الذي عبر عنه الوزير بكل صراحة في الملتقى الذي انعقد في مدينة الرياض، وإعادة هيكل النظام الصحي في المملكة لمواجهة هذا التحدي، أصبح من لوزامه، لكن هذا ليس بلا تحديات مماثلة. أشار وزير الصحة إلى خطط الوزارة في حوكمة القطاع الصحي، حيث تتوزع السلطات التشريعية والتنفيذية بين أجهزتها، فالوزارة ستركز في صياغة السياسات والتشريعات وسن القوانين والأنظمة سعيا إلى ضمان جودة ورقي الخدمات الصحية، بينما يتم تقديم الخدمات الصحية عن طريق مؤسسات أخرى يمكن اعتبارها شركات خدمية، وهذه الشركات وإن كانت حكومية، إلا أنها تسعى إلى تعظيم الإيرادات من خلال بيع الخدمات الصحية للمستفيدين، أو كما قال الوزير في كلمته بشأن ضمان الاستدامة المالية من خلال برنامج الضمان الصحي وشراء الخدمة. وعلى الرغم من وضوح هذه المفاهيم وتنوع المصادر بشأن شرحها، فإن التساؤلات تظل حول كيفية إنجاز ذلك على أرض الواقع، وكيف سيسهم ذلك في الاستدامة المالية، طالما التحديات نفسها التي أشار إليها الوزير قائمة، سواء كنا نقدم الخدمات مباشرة من خلال مستشفيات حكومية خالصة أو من خلال مستشفيات تدار بطريقة قطاع الأعمال مع مفهوم شراء الخدمة بالضمان الصحي. تمثل الصحة العامة الوقائية وإصلاح الأنماط الغذائية في المملكة أهم المسارات من أجل إصلاح النظام الصحي، وذلك وفقا لما أشار إليه الوزير، ورغم ذلك فإننا ما زلنا في واقع الحال نتساءل عن الكيف أكثر من المفهوم. قد يكون من السهولة بمكان أن نؤكد إجماع كثير من أفراد المجتمع على أن الصحة الوقائية مطلب، وأننا نعاني مشاكل غذائية كثيرة، لكن من الصعب علينا فهم كيف يمكن أن نضع حدا لكل هذا، وأيضا أن نبرر كيف يسهم هذا في تحقيق الاستدامة المالية. تحتاج وزارة الصحة إلى تسريع العمل وإنهاء النقاش الدائر حول هذه القضايا.
إنشرها