أخبار اقتصادية- عالمية

صمود الصين في وجه أزمات الاقتصادات الناشئة يحمي النظام العالمي

يرى محللون أن ما تعانيه الدول الناشئة من اضطرابات مالية طاولت تباعا الأرجنتين وتركيا، وأخيرا البرازيل، قد يجنب باقي الاقتصاد العالمي طالما أن الصين تبقى صامدة.
وتتبع أزمة الدول الناشئة حتى الآن سيناريو تقليديا إلى حد ما، إذ ترفع الولايات المتحدة معدلات فائدتها، والدول التي تعاني مديونية مرتفعة تتحمل التبعات، فيسحب المستثمرون أموالهم لتوظيفها في مشاريع بالدولار باتت جذابة، ما يؤدي إلى انهيار العملات الناشئة.
ويقارب الريـال البرازيلي أدنى مستوى تاريخي يسجله بمواجهة الدولار، فيما يواصل البيزو الأرجنتيني تراجعه، أما الليرة التركية التي انهارت أخيرا، فعرفت استراحة قصيرة بعدما عمد البنك المركزي إلى رفع معدلات فائدته بنسبة عالية.
وهناك هذه المرة عنصر جديد قد يزيد من خطورة الوضع، وهو في رأي رئيس قسم الاقتصاد في شركة "كوفايس" للتأمين على الديون "الغموض المرتبط بالرئيس الأمريكي" دونالد ترمب وسياسته الحمائية، بحسب ما أوضح ردا على أسئلة شبكة "بي إف إم بيزنيس" التلفزيونية.
فقد يصعد ترمب الوضع في حال فرض رسوما جمركية مشددة على شريحة جديدة من المنتجات الصينية المستوردة، بعد رسوم جمركية فرضها على دفعة أولى من البضائع بقيمة 50 مليار دولار.
وقالت كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولي في مقابلة نشرتها صحيفة "فاينانشيال تايمز" الأربعاء إن "غموض الوضع وانعدام الثقة اللذين نتجا عن التهديدات للتجارة العالمية حتى قبل تنفيذها" يشكلان تهديدا خطيرا للأسواق الناشئة.
وبحسب "الفرنسية"، فإن أي زيادة جديدة في الرسوم الجمركية سيكون لها "وقع يمكن قياسه على النمو في الصين"، ما "سيزيد صدمة إلى وضع لا يشهد انتشارا للعدوى، بل نقاط ضعف متفرقة".
ونشرت الصين أمس أرقاما غير مشجعة تشير إلى تباطؤ كبير على صعيد الاستثمارات في البنى التحتية، كما شهد البلد تراجع مبيعاته من السيارات على مدى ثلاثة أشهر متتالية، فيما استقر الإنفاق في قطاع التجزئة والإنتاج الصناعي.
وتسعى بكين إلى تحقيق توازن دقيق، فمن جهة تريد نقل محرك النمو من الاستثمار والصادرات نحو الاستهلاك الفردي، فيما تتصدى في الوقت نفسه لتراكم الدين العام.
وصعّب النزاع التجاري مع الولايات المتحدة المهمة وتسبب في تراجع أسواق المال المحلية إلى مستويات غير مسبوقة منذ الانهيار في 2016.
وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بزيادة الرسوم على كل سلعة صينية تدخل الولايات المتحدة رغم احتمال عقد جولة ثانية من المباحثات الرفيعة المستوى.
ومع ذلك قلل ترمب من أمل انعقاد تلك المباحثات، وغرد قائلا "لسنا تحت ضغط لإبرام صفقة مع الصين، هم تحت ضغط لإبرام صفقة معنا" مضيفا "أسواقنا تتحسن، وأسواقهم تنهار".
وأفاد المكتب الوطني للإحصاء في الصين الذي نشر البيانات الجديدة أن النزاع التجاري كان له أثر محدود على البيانات الاقتصادية حتى الآن.
لكنه أضاف "بالتأكيد كان له تأثير" من منظور البلدين وشعبيهما، وتابع: "حمائية التبادل التجاري أرخت بظلالها على تعافي الاقتصاد العالمي".
وسجلت استثمارات الأصول الثابتة، وهي محرك اقتصادي رئيس للصين، نموا بنسبة 5.3 في المائة فقط بين كانون الثاني (يناير) وآب (أغسطس) مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهذا أقل من نسبة 5.5 في المائة المسجلة في كانون الثاني (يناير) وتموز (يوليو) التي كانت أبطأ وتيرة على الإطلاق.
ولفتت الحكومة الصينية إلى أنها ستقوي دعمها للاقتصاد وتسرع إجراءات الموافقة على مشاريع البنية التحتية في الأشهر المقبلة، لكن الخبراء لا يتوقعون أن تبدأ تلك التدابير بإعطاء ثمارها قبل العام المقبل.
وأوضح جوليان بيار نوان مدير الدراسات الاقتصادية لدى شركة "لازار فرير جيستيون" أن "آسيا صامدة بالإجمال بشكل متين" حتى الآن.
وحذر نوان بأنه "لو كان هناك تباطؤ أكبر للنمو في الصين، لكان هذا أكثر تعقيدا بكثير للسوق الآسيوية، وتاليا للمنطقة الناشئة بمجملها"، مذكرا بأن بكين "لطالما أثبتت قدرتها" حتى الآن على إنعاش نشاطها الاقتصادي.
وعد جوان كينجيو رئيس معهد "رياليتي للدراسات المالية المتقدمة" أن "قدرة الصين على الصمود في وجه اضطرابات الدول الناشئة قوية نسبيا، وبالتالي فإن احتمال حصول أزمة نقدية في البلد ضئيل".
ويشير ذلك إلى ثقة في السلطات الصينية قد تبرر استبعاد عديد من خبراء الاقتصاد في الوقت الحاضر انتقال صعوبات الدول الناشئة إلى الاقتصاد العالمي، بعد عشر سنوات على إفلاس مصرف "ليمان براذرز".
ويؤكد المحلل جويديب موخرجي في وكالة "إس آند بي جلوبال" للتصنيف الائتماني: "لا نتوقع أزمة كبرى في الأسواق الناشئة.. ستكون هناك بالطبع مشكلات في الدول التي تسجل عجزا كبيرا في الحسابات الجارية، ما يعني أنها تقترض من الخارج، لكن لا يمكن اعتبار جميع الأسواق الناشئة على هذا القدر من الانكشاف".
ويصنف محللو شركة "كابيتال إيكونوميكس" الدول الناشئة في ثلاث مجموعات، فهناك أولا الدول التي تسجل عجزا هائلا في الحسابات الجارية، وتستمر بالتالي بفضل قروض من باقي العالم، وهي تركيا والأرجنتين وجنوب إفريقيا وكولومبيا والهند وإندونيسيا، وتبدو عملات هذه الدول الأكثر ضعفا.
وهناك بعدها الصين والدول الآسيوية والبيرو وتشيلي، وهي بلدان لديها ميزان للحسابات الجارية "أكثر صحة"، بحسب "كابيتال إيكونوميكس".
وأخيرا، هناك مجموعة ثالثة أكثر تباينا تضم دولا ناشئة متفرقة تواجه "إشكاليات سياسية خاصة" وهي روسيا الخاضعة لعقوبات غربية على خلفية الأزمة الأوكرانية، والبرازيل التي تستعد لانتخابات رئاسية غامضة المعالم في تشرين الأول (أكتوبر)، وأخيرا المكسيك التي تخوض مفاوضات تجارية مع واشنطن.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية