أخبار اقتصادية- عالمية

هل تصبح بريطانيا "رجل أوروبا المريض"؟ .. مهددة بتهاوي الاسترليني ورحيل الشركات

يوما بعد آخر تتزايد قناعة السياسيين والاقتصاديين ورجال الأعمال في بريطانيا، بأن الخروج من الاتحاد الأوروبي دون التوصل إلى اتفاق بين الطرفين هو الاحتمال الأكثر واقعية.
ويعكس ذلك حجم المأزق الراهن الذي يواجه الطرفين والمتعلق بصياغة علاقتهما المستقبلية، وما يحمله غياب الاتفاق من أضرار اقتصادية، خاصة على الاقتصاد البريطاني، الذي تشير أغلب التقديرات إلى أنه قد يتعرض لضغوط حادة نتيجة فك علاقته مع الاتحاد الأوروبي، وغياب تصورات واضحة ومحددة لآفاق علاقته التجارية المستقبلية مع الاتحاد بل وباقي دول العالم.
وربما ترجع قناعة الكثير من البريطانيين من أن الاقتصاد البريطاني سيتعرض لأوضاع عسيرة في أعقاب الخروج، إلا أن المؤشرات الاقتصادية منذ انحاز الناخب البريطاني لخيار الخروج منذ سنتين ونيف إلى الآن تسير في أغلبها لصالح المملكة المتحدة.
وعلى الرغم من أن معدلات النمو للاقتصاد البريطاني تحسنت في الربع الثاني من هذا العام، بعد أن أخفق النمو في الربع الأول في أن يتجاوز 0.2 في المائة، لكن التحسن لن يخرج بريطانيا من قاع جدول ترتيب الاقتصادات الرائدة في مجموعة السبع، وخاصة أن معدل نمو الاقتصاد الفرنسي بلغ 1.7 في المائة والأمريكي 2.8 في المائة، وهي معدلات أعلى مما تحققه المملكة المتحدة.
وتشير بعض الدراسات البريطانية إلى أن اقتصاد المملكة المتحدة أقل بنسبة 1.2 في المائة مما كان عليه قبل التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ ألحق الانحياز لفك الارتباط مع الأوروبيين الضرر بدخول الأسر البريطانية التي تقلصت وفقا لتلك الدراسات بنحو 10 في المائة نتيجة ارتفاع أسعار الواردات.
من جهته، يعتقد درين هيز الخبير المصرفي أن المشكلة الرئيسة التي أصابت وستواصل الإضرار بالاقتصاد البريطاني نتيجة الخروج من الاتحاد الأوروبي ترتبط بوضع العملة البريطانية - الاسترليني.
ويقول لـ"الاقتصادية"، إنه عندما صوت الشعب البريطاني لصالح تمزيق الاتحاد الأوروبي، انخفض الاسترليني وسقط على الأرض أمام الدولار، وتراجع إلى أدنى مستوى له في 31 عاما، وهذا الوضع مؤشر لا لبس فيه لرؤية أسواق العملات لمستقبل الاقتصاد البريطاني وللاسترليني.
ويضيف "في آذار (مارس) المقبل وإذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، فإن الاسترليني سيتراجع بشدة وسيواصل الانخفاض أمام الدولار واليورو، وهذا سيؤثر بشدة في مستوى معيشة البريطانيين، إذ ستشهد أسعار السلع المستوردة ارتفاعا ملحوظا، وإذا لم تنجح بريطانيا في زيادة صادراتها فإن الخلل في الميزان التجاري واقع لا محالة".
ورغم تواصل الجدل بين مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي، والداعين إلى إجراء استفتاء آخر لشعورهم بتغيير في الرأي العام لصالح البقاء، إلا أن الطرفين يتفقان على أن الطلاق من الاتحاد الأوروبي سينعكس حتما وبشكل سلبي على الأداء الاقتصادي في الأمد القصير، وخاصة خلال العام المقبل حيث يتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019.
والأجور الحقيقية للعمالة في المملكة المتحدة انخفضت بشكل ملحوظ بعد استفتاء الخروج، وارتفع التضخم إلى نحو 3 في المائة.
ويتوقع أرين لويدز رجل الأعمال البريطاني عضو اتحاد الصناعيين البريطانيين أن تشهد صادرات بريطانيا إلى أوروبا انخفاضا ضخما، وهو ما قد يؤدي إلى مجموعة من التداعيات.
ويؤكد لـ"الاقتصادية" أنه رغم التحسن الذي طرأ على معدلات التوظيف، إلا أن الوضع قد يتغير إذا ما انخفضت الصادرات البريطانية، وفشلت لندن في إقامة شراكة تجارية مع الاقتصادات الناشئة مثل الهند أو بعض الدول الإفريقية ذات معدلات النمو المرتفعة.
ويعرب أرين لويدز بصراحة عن مخاوفه من أن يؤدي الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى فقد بريطانيا جاذبيتها في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، خاصة إذا ما شهدت مرحلة ما بعض الخروج رحيل الشركات الكبرى ونقل مقراتها الرئيسة إلى داخل القارة الأوروبية.
ويقول " التحدي الأكبر الذي سيواجهنا بعد شهر آذار (مارس) المقبل،إذا فشلنا في التوصل إلى اتفاق تجاري مع الأوروبيين، هو قدرة الاقتصاد البريطانية على مواصلة جاذبيته لرؤوس الأموال الأجنبية، ربما يكون انخفاض الاسترليني مؤشرا إيجابيا في هذا المجال لجذب المزيد من الاستثمارات، لكن الأمر لن يتوقف على ذلك فقط فهذا مؤشر واحد فقط، فالمستثمر يبحث أيضا عن الأسواق المحلية، وقدرتها على الاستهلاك، وهناك مخاوف من تراجع تلك القدرة لدى الأسر البريطانية في أعقاب الخروج، كما أن المستثمر الأجنبي يبحث أيضا عن القدرة على تصدير منتجاته، وهذا يمثل تحديا كبيرا لأن الحكومة البريطانية لم توقع حتى الآن العدد الكافي من الاتفاقات الدولية التي تمنح صادراتها امتيازات، ولهذا إذا شعرت رؤوس الأموال الأجنبية بأن اقتصاد المملكة المتحدة فقد جاذبيته، فحتما سنكون في وضع عسير".
وفي الحقيقة فإن التحديات الناجمة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دفعت ببعض الخبراء في مجال الاقتصاد الكلي والاستراتيجيات الاقتصادية وعدد ملحوظ من كبار رجال الأعمال في البحث في أفضل سبل التنمية في المرحلة المقبلة.
وتشير أغلب الاقتراحات الخاصة بهذا الشأن، إلى تنامي الدعوات بأن ضمان تحقيق معدلات نمو أعلى وأسرع في المرحلة المقبلة، يتطلب إحداث تحول جذري في هيكل الاقتصاد البريطاني من الاعتماد على المصارف والخدمات المالية باعتبارهما قاطرة عملية التنمية، إلى العودة من جديد إلى أساليب التنمية التقليدية بالاعتماد على الصناعة.
البروفيسور جورج ادور أحد أبرز خبراء الاقتصاد الكلي في بريطانيا، وأحد الأصوات القوية المؤيدة للخروج من الاتحاد الأوروبي. يتبنى الدعوة إلى إعادة هيكلة الاقتصاد البريطاني ككل.
ويقول لـ"الاقتصادية"، إنه "وفقا لتقديري فإن الاقتصاد البريطاني لم يتضرر بشكل مخيف نتيجة التصويت لصالح الخروج، فمعدلات التوظيف مرتفعة، وارتفعت الصادرات إلى مستويات قياسية في عام 2016 وبشكل جيد العام الماضي، لكن مع ذلك فإن الاقتصاد البريطاني لا يعمل بشكل جيد، فالإنتاجية لم تتغير ونتيجة ذلك انخفضت الأجور الحقيقية، والتضخم أعلى من المعدلات المستهدفة، ومن المستبعد أن تنجح سياسة التحفيز النقدي في تعديل الأوضاع".
ويضيف "هل ستصبح بريطانيا رجل أوروبا المريض؟ هذا ممكن ليس نتيجة الخروج من عضوية الاتحاد، ولكن نتيجة عدم تبني سياسات تتفق مع طبيعة المرحلة المقبلة. ففي مناخ عدم اليقين تتردد الشركات في الإنفاق، وهذا يعني إنفاقا أقل على التكنولوجيا الجديدة، وتحسين عملية الإنتاج، وبالتالي اتجاه الإنتاجية إلى أسفل".
وحول الحل أكد أن التركيز المفرط على التمويل والصناعات البنكية على حساب الصناعات الأخرى، حان الوقت لتغييره، إذ لابد من جعل المملكة المتحدة عملاقا تقنيا، حيث الصناعات التكنولوجية هي المستقبل، والخروج من أوروبا سيضعف تلقائيا النظام المصرفي البريطاني، ولذلك لابد من الإسراع بتصحيح المسار والاتجاه إلى التصنيع.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية