المسؤولية الدولية .. تجنب العالم أزمة مالية

|

على الرغم من تخلص العالم من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت في مثل هذا الشهر من عام 2008، إلا أن الوضع المالي على المستوى الدولي لا يزال ضعيفا بما لا يجعله يتحمل أزمة مالية أخرى. فالأزمة المالية التي مر بها، تحولت بسرعة شديدة إلى أزمة اقتصادية نالت من كل الدول تقريبا، وجلبت مصائب مختلفة تأرجحت بين طرد الناس من مساكنهم لعجزهم عن تسديد أقساطها، وبين ارتفاع العجز في الموازنات العامة. كثير من الحكومات ضخت الأموال العامة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسات، أو بالأحرى لعدم ترك هذه المؤسسات للانهيار. إنها من تلك التي تشكل الهيبة لدولها. الفوضى المالية التي أحدثتها الأزمة دامت قرابة عقد من الزمن، ولذلك فإن العالم ليس مستعدا لامتصاص واحدة جديدة الآن.
ويتفق دومنيك ستراوس مدير صندوق النقد الدولي السابق مع الرأي الذي يقول ذلك. وحدد أخيرا أسباب ذلك، ومن أكثرها اللافت هو تنامي تيار الشعبوية على مستوى العالم. وهذا التيار ضرب في الواقع كثيرا من الإنجازات لدى كثير من البلدان، لأنه أوجد ما يمكن تسميته "القومية الاقتصادية"، وعزز المسار الانعزالي الوطني تحت مسميات رنانة، لكنها بائسة. الجميع شارك في انفجار الأزمة المالية - الاقتصادية العالمية، والجميع أيضا أجبر على التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولا سيما على مستوى المصارف الكبرى. ولأنها أزمة كبيرة، كانت تداعياتها كبيرة جدا، امتصت نسبا عاليا من التنمية في هذا البلد أو ذاك، ورفعت حجم الديون الحكومية، حيث وصلت في بعض الدول إلى ضعفي ناتجها الوطني الإجمالي.
احتاجت المصارف وحدها إلى ما يصل إلى تريليون دولار لإعادة تشكيل رأسمالها، وفق مدير صندوق النقد السابق، وهذه أموال خرافية بالفعل، بينما تجاهل كثير من الحكومات الدعوات قبل الأزمة الكبرى المطالبة بتخصيص 2 في المائة من ناتجها المحلي للتحفيز الاقتصادي. وكان التنسيق بين البلدان الكبرى شبه غائب عن الساحة، بما في ذلك جهات مثل الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد. انتشرت الفوضى فعلا، ولم يكن هناك صناعة لقرار اقتصادي دولي. الذي حدث بعد الأزمة، أن مجموعة العشرين اتخذت زمام المبادرة، وكان هذا بمنزلة نقطة مهمة جدا. ولذلك كان العمل فعالا على صعيد مواجهة تداعيات وتبعات الأزمة العالمية.
ولكن في النهاية لم يصل العالم إلى مستوى يمكنه من استيعاب أي أزمة أخرى مهما كانت صغيرة الآن. هناك أعباء مالية لا بد من التخلص منها أولا، يضاف إلى ذلك أن تمكين التنسيق الدولي الاقتصادي أكثر، بينما نجد الآن رحى معارك تجارية بدأت هنا وهناك، وقد تقود إلى حرب تجارية شاملة، خصوصا مع تراجع آليات الحوار الطبيعي بين الأطراف المعنية. والخطورة هنا تكمن أكثر من أن هذه المعارك تجري بين من يطلق عليهم "الحلفاء". أمام هذه المعطيات وغيرها، على العالم أن يتجنب أزمة مالية جديدة مهما كان الثمن. فإذا تمكن هذا العام من احتواء الأزمة بعد عشر سنوات من وقوعها، فقد يحتاج إلى ضعف هذه المدة من أجل احتواء ومواجهة واحدة أخرى، دون أن ننسى فظائع التبعات التي قد تخلفها على الساحة العالمية. إنها المسؤولية الدولية أن تجنب العالم أزمة مالية ستضرب كل شيء وأي شيء بكل تأكيد.

إنشرها