إيران على خطى فنزويلا

|
"الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، تزعزع الاستقرار والأمن في البلاد" صادق لاريجاني - رئيس السلطة القضائية في إيران عنوان هذا المقال ليس من عندي. إنه الاستنتاج الذي توصلت إليه مجلة "فوربس" الأمريكية المعروفة، وهي محقة، لأنها عززت ما هو مؤكد في الواقع. فوضع إيران الاقتصادي خطير للغاية، بل لنقل إنه وضع يتهاوى كل يوم، ولا توجد في الأفق أية حلول أمام نظام الملالي الإرهابي، لأنه استنفدها كلها، بما في ذلك تلك العمليات البائسة القائمة على تغيير المسؤولين وتحميلهم مسؤولية هذا الخراب الاقتصادي. ناهيك عن الاتهامات المتبادلة ضمن النظام نفسه، حتى إن الرئيس حسن روحاني رفض تقديم تقرير عن المصيبة الاقتصادية لما يسمى مصلحة تشخيص النظام، لكنه رضخ في النهاية وقدمه للبرلمان، دون أن يتضمن نقطة إيجابية واحدة. ماذا سيقول أمام حراك اقتصاد لم يتقدم يوما منذ احتلال الملالي السلطة في البلاد؟ اللافت فيما أوردته "فوربس"، أنها وضعت قيام النظام الإيراني بالاستحواذ على الأموال المفرج عنها بموجب الاتفاق النووي بدلا من توزيعها على الإيرانيين، كأحد أسباب انهيار الوضع الاقتصادي. والحق، إن هذه الأموال لا تمثل شيئا فيما لو قورنت بتلك التي نهبها الملالي من شعبه على مدى أكثر من أربعة عقود، تجلى ذلك اليوم - على سبيل المثال - في انهيار قيمة الريـال الإيراني بمعدل 181000 في المائة منذ عام 1979. بحساب آخر، يبلغ الدولار الأمريكي ما يقرب من 138 ألف ريـال هذه الأيام، بينما كان يساوي 70 ريالا فقط في العام المشار إليه! أين ذهبت الأموال المنهوبة؟ تحولت إلى تمويل الحرس الثوري الإرهابي، فضلا عن تمويل الإرهاب بشكل عام على الساحة الخارجية، ناهيك عن شن حروب مباشرة في بعض البلدان. استحواذ علي خامنئي على أكثر من نصف الاقتصاد الوطني لم يعد خبرا، فالجميع يعرف ذلك. وكذلك الأمر بالنسبة لغياب التمويل المحلي في إطار التنمية، ما رفع عدد الإيرانيين الذين هبطوا دون خط الفقر، وزاد البطالة، وأوقف مشاريع استراتيجية، وانتشر سكان الكهوف في الأرجاء. بل إن هذا النهب الفظيع أسهم في نقص مياه الشرب، وزاد من تلوث الهواء بالفعل، وانطلقت نصائح وزارة الصحة للمستشفيات بضرورة إعادة استخدام المواد التي استعملت في العمليات الجراحية! مهلا الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، فقد عجزت إيران عن توقيع عقد جديد مع مدرب منتخبها لكرة القدم البرتغالي كارلوس كيروش، بسبب الأزمة الاقتصادية! نهب الشعب الإيراني، أدى إلى نقص حتى في إمدادات الوقود في بعض المناطق! ناهيك - بالطبع - عن ارتفاع الأسعار بصور خيالية، بما في ذلك المنتجات المحلية نفسها! الأسباب التي أدت بالبلاد إلى هذا الوضع الخطير كثيرة بالفعل، لكن السبب الأهم بينها كلها، وجود نظام الملالي في سلطة لا يستحقها، وأثبت فشله فيها على مدى أربعة عقود، ويعاند شعبه طوال هذه المدة. أما التفاصيل فباتت معروفة للجميع محليا وخارجيا. صحيح أن العقوبات الأمريكية التي فرضت على النظام الإرهابي قوية، إلا أنها ليست السبب الوحيد في تردي هذا الوضع، الذي بات يشبه شيئا فشيئا الوضع المأساوي في فنزويلا. العقوبات المشار إليها أظهرت للعالم أجمع حقيقة النظام الذي لا يزال يعتقد أنه يستطيع الوقوف في وجهها، ويروج بصورة سمجة "معزوفة" أنها السبب الوحيد للكارثة التي تعيشها البلاد. هذه العقوبات لا شك أنها ستعجل برحيل نظام لم يوفر يوما حياة كريمة لشعبه. وعكست ذلك بوضوح المظاهرات والاحتجاجات ضده. وإذا كانت هذه الاحتجاجات تتوقف في السابق لوقت طويل، فإنها اليوم باتت مستمرة بصورة مختلفة. لم تستفد طهران من شحنات النفط السرية التي تعقدها مع بعض الدول. وهي سرية لأن المستوردين لا يريدون مواجهة الولايات المتحدة التي تستعد لفرض حظر النفط الإيراني في غضون أسابيع. فتجفيف منابع العوائد المالية يجري بصورة سريعة، ما انعكس سلبا بالفعل على تمويل الإرهاب والحروب التي يشنها خامنئي هنا وهناك. والشحنات السرية المشار إليها لن تتواصل كما ترغب طهران في وقت لاحق، لو استثنينا تلك التي تجري بينها وبين كل من تركيا والصين. فالهند واليابان أعلنتا أنهما لا تستوردان النفط الإيراني التزاما بالعقوبات الأمريكية، ودول أخرى أقل حجما أعلنت ذلك أيضا. فالخنق المالي لنظام الملالي يتعاظم، حتى الأصوات النشاز الآتية من أوروبا باتت تخفت يوما بعد يوم، بصرف النظر عن بعض التصريحات التي تطلق عادة للاستهلاك. كل هذا وأكثر سيؤدي بإيران نحو مزيد من المصائب الاقتصادية المعيشية، بينما لا يبدو أن النظام القائم قادر على إدارة حوار مع الجانب الأمريكي، يمكن أن يؤدي إلى تفاهم ما، بما في ذلك إعادة توقيع اتفاق جديد بالكامل حول النووي الإيراني. وأخيرا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أنه ليس في نيته فتح هذا الحوار أصلا، طالما أن سلوكيات النظام بهذه البشاعة، سواء على الساحة الداخلية أو الخارجية. ومن هنا يمكن القول إن النموذج الفنزويلي مقبل على بلد كان بإمكانه أن يكون متمتعا الآن باقتصاد جيد للغاية. إنها الأوهام "المهدية" التي يعيش بها ملالي إيران.
إنشرها