مكتبة وكبدة

|
في الشارع الخلفي لمنزلي يوجد مكتبة مميزة تشجع على غرس مفهوم القراءة من خلال توفير عدد من الكتب المتنوعة في شتى المجالات لرواد المكتبة، في الوقت نفسه الذي تقدم فيه قائمة بعدد من المشروبات الحارة والباردة والأكلات الخفيفة التي تطرد شبح الجوع، خصوصا للذين يندمجون في القراءة، أو المذاكرة في أيام الاختبارات كطلاب الجامعات. المكتبة تتميز برفوفها الأنيقة وطاولاتها المريحة وتلك الرائحة المعطرة التي تملأ الأجواء، والهدوء الذي يدفعك فعلا نحو القراءة والتفكير والتأمل، رغم أنه لا يفصل بينك وبين الشارع الممتلئ بالضجيج وأبواق السيارات سوى بضعة أقدام. في المكان الملاصق للمكتبة تماما ومثلما يقولون "الجدار بالجدار"، يوجد محل كبدة وفول، حيث ترتفع أصوات الزبائن وصدى الصحون وتصويت البائع على الطلبات، ويعج المحل برائحة البصل والثوم والكبدة والفول، والديكور البسيط الذي يتكون من "دكة" مرتفعة عن مستوى الأرض مفروشة بـ"موكيت" أحمر بسيط، حيث يجلس الزبون في هذا المطعم على الأرض. ورغم الفرق الشاسع كما بين السماء والأرض بين خدمات المحل الأول والثاني إلا أن نتيجة المقارنة بينهما ستجعلك تؤمن فعلا بمقولة "شر البلية ما يضحك"! في كل مرة أمر بهذين المحلين أتمنى لو انقلبت المعادلة، لكن للأسف ما يحدث عكس ذلك تماما، حتى عاهدت نفسي ألا أنظر إليهما إطلاقا، فأنا في غنى عن مشاعر سلبية تثير الإحباط، فالمكتبة في معظم الأوقات شبه خالية "وما عليها سوق"، في اللحظة نفسها التي يعج فيها محل الكبدة والفول بالزبائن حتى لا تكاد تجد لك مكانا فيه، سواء في وقت الصباح أو المساء. هذا المشهد دفعني إلى التساؤل: هل نحن فعلا نعيش زمن احتضار القراءة؟! ولماذا صار غذاء البطن أهم من غذاء العقل؟ أما السؤال الأصعب والأشد وجعا بالنسبة إلي فهو.. إلى متى سيصمد صاحب المكتبة؟! ومتى سيعلن انهزامه ويغلق مكتبته؟! ومتى ندرك أننا نعيش أزمة قراءة في ظل هذا الزخم التجاري الذي يشبع كل الأحاسيس لكنه يدفع العقل ليزداد جوعا؟! يقولون إن النعامة تدفن رأسها في الرمال، لأنها تظن أن العالم سيختفي حين تفعل ذلك. وبغض النظر عن صحة المقولة من عدمها، فإننا بلا شك نواجه مشكلة كبيرة في العزوف عن القراءة، وهذه كارثة علينا مواجهتها! أرجو أن ألتفت يوما إلى المكتبة فأجد روادها كعدد زبائن الفول والكبدة أو يزيدون قليلا..!

اخر مقالات الكاتب

إنشرها