عرب الخليج ونظرة العرب الآخرين

|

تقفز بين الحين والآخر على وسائل التواصل الاجتماعي تغريدات عبثية ومثيرة من طرف أو آخر، تزعزع المودة والوئام بين الشباب في الأقطار العربية. قبل أيام أشار أحد المغردين من بلد عربي إلى أن الشعور بـ"الدونية" لدى الخليجيين يقف وراء كرههم لبعض الشعوب العربية. وهذا ينافي الحقيقة، فلا أعتقد أن الخليجيين يكنون الكره لأي شعب عربي. فالتاريخ يشهد لهم بمواقف نبيلة مع الشعوب العربية منذ أزمنة طويلة، فقد كان لهم ـ على سبيل المثال ـ وقفات رائعة معروفة مع الشعوب العربية في مكافحة الاستعمار وحروب الاستقلال ودعمهم بمشروعات تنموية كثيرة دون منة، بل من منطلق العروبة وحسن الجوار. صحيح أن بعض الدول العربية أسهمت في مجالات التعليم في بعض دول الخليج، وهذا إسهام يذكر فيشكر، ولكن ينبغي ألا يكون ذريعة للابتزاز والشعور بـ"الفوقية" أو التقليل من شأن شعوب الخليج. فمن المعروف أن الشعوب الإنسانية تتعلم وتتطور علميا وصناعيا وزراعيا من خلال الاستفادة من خبرات الآخرين، ولم يقلل ذلك من شأنها أو يجعل تلك الشعوب التي سبقتها تذكرها كل حين أنها أسدت إليها مساعدة! فالحضارة الغربية مدينة للحضارة الإسلامية، والحضارة الإسلامية مدينة للحضارة الإغريقية والصينية القديمة، وهكذا شأن تقدم الحضارات الإنسانية. وقد طرحت هذا الموضوع على بعض الزملاء في أحد المجالس، ولم أجد إجابة شافية ومقنعة عن سبب النظرة السلبية لدى بعض الشعوب العربية عن الشعوب الخليجية! وإذا كانت الشعوب ستمن على الشعوب الأخرى، فماذا ستقول الدول الغربية المتقدمة التي ملأت الأسواق بالمخترعات والاكتشافات التي أسهمت في إنارة الظلمات بالكهرباء واكتشفت الأدوية لكثير من العلل والأمراض، وذللت الطبيعة من أجل رفاه الإنسان؟! من يعتقد أن شعوب دول الخليج تشعر بالدونية، فمعلوماته قديمة، ولا يزال يتغنى بأمجاد الماضي، أو أنه يتجاهل ـ بقصد ـ ما حققته وتحققه دول الخليج العربية من نهضة علمية وتنمية اقتصادية وبشرية، تواكبها إنجازات كبيرة في مختلف المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية وغيرها. فعلى صعيد البحث العلمي، فالمملكة وحدها تتفوق على جميع الدول العربية مجتمعة بإنتاجها العلمي وبراءات الاختراع المسجلة للباحثين بها، وإذا كان الأمر يتعلق بالتنمية البشرية، فدول الخليج تتفوق على جميع الدول العربية في مؤشر التنمية البشرية، وإذا كان الأمر يتعلق بالرفاهية، فالشعوب الخليجية تتمتع بدخول مرتفعة. وعلاوة على ذلك، إن كانت بعض الشعوب العربية تعتد بأنظمتها السياسية التقدمية، فقد أثبتت الأيام أنها أقل استقرارا، وأكثر هشاشة، وعرضة للاضطرابات والتفكك، وتعاني البطالة والفقر والهجرة المغادرة أكثر من غيرها. من المؤكد أن كل الدول والشعوب تتميز بخصال رائعة ونقاط قوة، وفي الوقت نفسه لا تخلو من بعض السلبيات ونقاط الضعف التي تتطلب التدخل والمعالجة، ومعظم الشعوب العربية تعد من أكثر شعوب العالم معاناة من الفساد والفقر والبطالة، فينبغي على العرب الأعزاء أن ينظروا إلى أنفسهم، ويسهموا في تطويرها وتنقيتها من العيوب، قبل أن يرموا بالحجارة "العبثية" على الشعوب الأخرى. ومن المؤكد أنه لا يمكن للعرب أن يكتسبوا مكانة تنافسية مناسبة بين شعوب الأرض إلا من خلال احترام بعضهم لبعضا، ودعم بعضهم بعضا اقتصاديا وسياسيا وعلميا وثقافيا، والعمل بإخلاص على تنمية بلدانهم والنهوض بها. وأخيرا أعتقد أن الحاجة أصبحت ماسة لدراسة هذا الموضوع دراسة علمية موضوعية وشفافة من قبل إحدى الجامعات العربية، لأن فهم المشكلة والاعتراف بها، هما بداية حلها والسيطرة عليها.

إنشرها