الصكوك والاستقرار المالي والشفافية

|
في تقرير نشرته "الاقتصادية" عن حجم الصكوك التي أصدرتها الحكومة السعودية بالعملة المحلية التي بلغت 14 طرحا منذ عام 2017 بقيمة إجمالية بلغت 217.98 مليار ريال، وقد وجد هذا النوع من الإصدارات إقبالا واسعا حتى تمت تغطية كل إصدار بنسبة راوحت بين 102 و349 في المائة. وعندما نشير إلى هذا التقرير، فإن أهميته البالغة تأتي من عدة محاور، الأول هو الشفافية التي أصبحت تدار بها الأمور في المالية العامة للدولة، فهذه المعلومات أصبحت متاحة للمستثمرين في كل وقت عبر مكتب إدارة الدين العام في وزارة المالية، فعدد الصكوك التي أصدرت وقيمتها والتغطية التي وجدها كل إصدار، كل هذه معلومات مهمة جدا لقراءة مسار الاقتصاد السعودي. الأمر الآخر الذي يدل على أهمية مثل هذه المعلومات، أنها تمثل بحد ذاتها مقياسا نوعيا لمدى الثقة بالاقتصاد السعودي، خاصة الثقة بالريـال وأنها تشكل تصنيفا معنويا للاقتصاد يجب أخذه في الحسبان. فمن الجانب الأول، فإن الصكوك وأدوات الدين ليست كغيرها من الأدوات المالية التي يمكن الاكتتاب فيها بسهولة في الأسواق المالية، فهذه الإصدارات لها جهات استثمارية معينة هي التي تهتم بها وتستطيع أن توفر النقد اللازم لها، وهذه المؤسسات المالية تستخدم مؤشرات قياس عالية، ولديها خبرات متنوعة، وعملية اتخاذ القرار فيها علمية إلى حد بعيد، فيها توازن بين الصك وعوائده، وبين العوائد السائدة في السوق والأسواق العالمية الأخرى، ذلك أن هذه المؤسسات تتخذ قرارات الاستثمار من أجل تعظيم منافع ومصالح وعوائد حملة الأسهم فيها، لذلك فإن القرار بالشراء أو البيع يعتمد على تحقيق هذه المصالح الأساسية. ومع توجه كثير من دول العالم اليوم إلى إصدار أنواع مختلفة من الصكوك ولمدد مختلفة بعوائد تصل إلى 12 في المائة في بعض الدول، فإن اختيار الصكوك التي تطرحها المالية السعودية، بل التنافس فيها بهذه الحدة التي تصل إلى حد أن تتم إعادة تخصيص الصكوك بين المستثمرين يؤكدان الثقة بالاقتصاد السعودي وقدرته على إنتاج عوائد جيدة للمستثمرين في أفضل حالاته بلا أدنى شك. في الجانب الثاني، نجد أن الطرح الذي نناقشه اليوم هو من نوع العملة المحلية، وهذا يعني أن القيمة الاسمية للصك والعوائد التي ستدفع في مقابله ستكون مقومة ومدفوعة بالريـال السعودي، وليست بالدولار، وهنا نتأمل في الطريقة التي تتم بها إدارة المالية العامة، فطرح بهذا الشكل يدعم قيمة الريـال في مقابل العملات الرئيسة كافة، فإذا كانت قيمة الطرح الإجمالية تصل إلى 217 مليارا "أي ما يزيد على 57 مليار دولار"، فإن هذا من شأنه أن تقوم المؤسسات المالية المستثمرة بالتحول من الدولار إلى الريـال من أجل دفع قيمة ما تم الاكتتاب فيه من صكوك وبالتالي تعزيز قيمة العملة المحلية في الأسواق. لكن هذا الأمر لا يتم ببساطة الحديث عنه هكذا، بل إن صناع السياسات المالية لا يمكنهم المغامرة بمثل هذا الطرح دون أن تكون لديهم ثقة كبيرة بالعملة المحلية، ثقة تجعل المؤسسات المالية تتخلى عن أرصدتها من العملات المختلفة لتحصل على العملة المحلية لتعزيز استثماراتها في هذا الطرح. مثل هذه الثقة لن تأتي من فراغ، خاصة أنها ثقة بالمستقبل أكثر منها بالماضي، فهذه الاستثمارات سيتم سدادها بقيمتها الاسمية وبالعملة المحلية "أي الريـال"، فلو كان المستثمرون قلقين من تأرجح قيمة العملة السعودية في المستقبل فسيأخذون كل هذا في الحسبان عند تقييم أسعار الفائدة، مع نجاح الطرح بهذه النسب الكبيرة. فلا شك أن الثقة كبيرة بالعملة المحلية وأن استقرار أسعار الصرف ونهج تثبتها مع الدولار خاصة تؤتي ثمارها الإيجابية دائما، وهو أيضا ما نص عليه تقرير صندوق النقد الدولي في آخر زيارة لمناقشة الاقتصاد السعودي ومؤشراته. أخيرا، فإن نجاح مثل هذا الطرح مع الاستقرار الذي تشهده المالية العامة والشفافية العالية التي تنتهجها، ستمثل ضغطا قويا على مؤسسات التصنيف التي عليها مراجعة تقاريرها السابقة وإعادة وضع الاقتصاد السعودي في مكانته المناسبة عند أعلى تصنيفات متاحة.
إنشرها