كيف سينمو الاقتصاد السعودي؟ (1)

|
النمو لا يهطل على الاقتصاد بالباراشوت ولا يشق أديم الأرض ويخرج كالفطر "المشروم"، بل يصنع محليا. لكن، كيف يصنع؟ لا ألوم من يقارن اليوم بالأمس، لكن أذكره بأن أداءنا في الماضي لم يجلب لنا التنويع الاقتصادي وبأننا عايشنا على مدى نصف قرن دوامات اقتصادية ومالية. وهكذا، فالغد لن يكون مجرد امتداد للأمس. ولن تحدث النقلة النوعية "التي لطالما تمنيناها، لكننا تهيبنا لسنوات الإقدام على إنجازها" إلا بإعادة هيكلة تأخذنا إلى سياق اقتصادي منتج، واتباع سياسة مالية تخلصنا من العجز المزمن. أدرك أن هناك من لا يحبذ التغيير، لأطرح سؤالا: هل ينبغي أن يسبق الإصلاح الاقتصادي الإصلاح المالي أم العكس؟ تتفاوت وجهات النظر، ومنها أن المواءمة بين الأمرين خيار كذلك. أما الأمر الأكثر تحديا – في تقديري – فقد كان البدء في إعادة هيكلة منظومة الدعم الحكومي بصورة تكاد تكون جذرية. هذه الهيكلة أنتجت مباشرة أمرين: أولهما، زادت الإعانات النقدية للشريحة الأكثر احتياجا ولم تنقص، فقد ارتفع دخل المشمولين بالضمان الاجتماعي نتيجة الإعانات التي يتلقونها من تحويلات برنامج "حساب المواطن" النقدية. وثانيهما، أنه نتيجة إعادة هيكلة الدعم الحكومي تحسنت إيرادات الخزانة العامة غير النفطية، ليس فقط بسبب تصحيح أسعار الطاقة، بل لإقرار رسوم جديدة بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة لأنشطة لم تكن تدر على الخزانة العامة أي دخل، بل كانت تمتص كالأعشاب الطفيلية. ومع دخول ضريبة القيمة المضافة حيز التنفيذ، بدأنا جميعا نعرف حقائق ميدانية عن الاقتصاد السعودي، بما في ذلك انضباط العلاقات التعاقدية بين الأطراف، وأن ثمة أنشطة "غائبة" عن المساهمة في دعم إيرادات الخزانة دون أن تقدم مقابلا، فمن الاكتشافات المذهلة فعلا أن بعض كبار العقاريين، ممن يحققون دخلا يتجاوز بعض ما تحققه الشركات المساهمة المدرجة في تداول، لا يملك حتى سجل تجاري! يملك حسابا مصرفيا باسمه الشخصي وعشرات العقارات المدرة. ماذا تستفيد الخزانة العامة من نشاط هذا العقاري؟ صفر. الآن، أصبح هذا المواطن وأمثاله يسجلون لأخذ رقم ضريبي، إذ لم يعد بوسعهم الاحتجاب. أنضم إلى من يقول "الله يرزقه" وأضيف "اللهم ارزقهم وارزقنا منهم". في نهاية المطاف، المجتمع لابد أن يتكافل، إذ لا يعقل أن يستغل شخص منظومة من الخدمات المكلفة لتحقيق أرباح ثم لا يدفع أي مقابل نظير توظيفه التجاري لها.
إنشرها