FINANCIAL TIMES

عاصفة تقصف "الطائر الأزرق" .. بقنابل التغريد

استجواب الكونجرس لجاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة تويتر، يعترك مع تنويعات على سؤال مستحيل: هل يريد الآباء المؤسسون من منصات ومواقع شبكة الإنترنت، الالتزام بمبدأ حرية التعبير، بصرف النظر عن أي شيء كان؟
كان جيمس ماديسون وألكسندر هاملتون وجورج واشنطن وآخرون غيرهم ساسة، قبل فترة طويلة من صراخ الرؤساء بأحرف كبيرة على حساباتهم من على منصة تويتر. على أن التعديل الأول للدستور هو المفتاح للطريقة التي تعترك بها منصات وسائل الإعلام الاجتماعية اليوم، مع مسؤولياتها.
تعاني شركات جوجل وفيسبوك وتويتر من أجل السير بحذر على خط فاصل بين حرية التعبير وحماية المستخدمين من خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة، في الحالة الأخيرة لأليكس جونز الذي يدير موقع إنفووورز Infowars - أي حرب المعلومات - نظريات مؤامرة كريهة تتضمن الكذبة التي تقول إن مذبحة مدرسة ساندي هوك مزيفة "راح ضحيتها 20 طفلا وستة بالغين".
مع ذلك، فإن السجل التاريخي الخاص بموقع تويتر يجعله مختلفا عن المنصات الأخرى، التي حذفت محتويات موقع إنفووورز وحساباتها في الشهر الماضي.
شركة تويتر البالغة من العمر 12 عاما نشأت، وهي تعد نفسها "جناح حرية التعبير لحزب حرية التعبير" وكانت تتصرف بناء على ذلك. على سبيل المثال، سمحت الشركة لمستخدم منصة تويتر مجهول، أن ينتهك أوامر المحكمة البريطانية التي تمنع نشر معلومات عن حياة المشاهير الخاصة.
مع تزايد المخاوف بشأن إساءة استخدام الإنترنت وقيام بعض المستخدمين، بمن فيهم وجوه شهيرة، بالخروج من المنصة، عمد "تويتر" إلى تعديل نهجه، وأنشأ سياسات وأدوات جديدة كجزء من خطة لتشجيع "المحادثات السليمة".
حتى الآن لم يحظر جونز. في البداية، جادل دورسي بأن جونز لم ينتهك القواعد، وفي وقت لاحق، عندما انتهكها، علَّق "تويتر" حسابه لمدة أسبوع، تاركا تغريداته عبر الإنترنت.
وبحسب ما غرد به دورسي: "إذا استسلمنا وقمنا ببساطة بإصدار رد فعل على الضغوط الخارجية، بدلا من إنفاذ المبادئ المباشرة (وتطويرها) على نحو محايد بغض النظر عن وجهات النظر السياسية، فإننا نصبح خدمة تم إنشاؤها على أساس وجهات نظرنا الشخصية، التي يمكن أن تتأرجح في أي اتجاه".
تم اتهام منصة تويتر أيضا بهذه التهمة بالذات: وجود تحيز فطري ضد المحافظين، كما هو لدى شركتي جوجل وفيسبوك. وكان التحدي أمام دورسي عندما ظهر أمام لجنتين من الكونجرس، أن يشرح للجمهوريين لماذا لا يعتقد أن المنصة متحيزة، في حين يخبر الديمقراطيين لماذا يعتقد أن المحتوى الذي يعتقد كثيرون أنه مسيء وغير مقبول، يسمح له بالحركة بحرية عبر الإنترنت.
وقالت فيجايا جاد، محامية شركة تويتر، التي تشرف على فرق السياسة والثقة والسلامة، إنها "فخورة للغاية" بأن الشركة لم تتبع مثال المنصات الأخرى بشأن موقع إنفووورز، لكنها لا تعتقد أن حرية التعبير حق منفلت بلا قيود. وقالت إنه يجب أن يكون متوازنا مع حقوق الناس في السلامة والأمن والخصوصية.
وقالت لصحيفة "فاينانشيال تايمز": "الحقيقة هي أنه إذا كان الناس يخشون الكلام، فإن حرية التعبير كفلسفة أو عنصر تأسيسي، لا تعني في الحقيقة الكثير".
وقالت إنه يوجد داخل موقع تويتر كثير من الجدل حول المكان الذي يجب أن يكون فيه الخط الفاصل.
قال أحد التنفيذيين السابقين في شركة تويتر إن الشركة لديها متسع من الوقت لمناقشة هذه المشاكل داخليا – لكن كان يجب أن تتصرف بشكل أسرع.
وقال: "لدى منصة تويتر تاريخ طويل من ’التفسيرات المبتذلة لعدم قيامه بما هو مطلوب منه‘. في الأيام الأولى، كان يمكن لهذا أن يكون جوابا مقبولا، لكن من الواضح الآن أنهم تجاوزوا الوقت المناسب".
وقال التنفيذي السابق إن التوترات الداخلية في الشركة بشأن القضايا الخلافية تفاقمت بسبب مشكلاتها الأخرى: جدل حول ما إذا كانت شركة إعلامية أو منصة اتصالات، ونزاع لتنفيذ عملية آلية لإزالة المحتوى الذي يخرق القواعد بسبب البنية التحتية الفوضوية، والنقص في عدد كبار أصحاب المواهب التكنولوجية، والضغط من "وول ستريت" للحفاظ على زيادة أعداد المستخدمين، التي ربما تكون قد أضعفت الرغبة في تقليم آلاف الحسابات.
وقالت السيدة جاد إن الشركة لم تتجنب قط حذف الحسابات المزيفة بسبب مخاوف نمو المستخدمين. منذ أيار (مايو) الماضي، أزالت "تويتر" نحو عشرة ملايين حساب مزيف، في كل أسبوع. وهبطت أسهم شركة تويتر بنسبة 20 في المائة في يوم واحد في تموز (يوليو) الماضي، بعد أن قالت إن تطهير الحسابات المزيفة والمزعجة أضر بعدد المستخدمين النشطين شهريا.
تزيد شركة تويتر استثماراتها في التعلم الآلي. يمكن أن تساعد التقنيات الجديدة في تحديد ما إذا كان الحساب يبدو مريبا، ومطالبة صاحب الحساب بالمصادقة من خلال الرد على رسالة SMS أو البريد الإلكتروني أو إدخال رمز كابتشا Captcha، أو تقليل مستوى الرؤية – المعروف باسم خفض المستوى – للمحتوى إذا كان الحساب مخالفا لشروط الخدمة.
تمتلك منصة الرسائل في الشركة موارد أقل بكثير من منافسيها: تبلغ الرسملة السوقية لشركة تويتر 26 مليار دولار، ولدى فيسبوك رسملة سوقية أكبر بـ19 مرة، أما قيمة ألفابت، الشركة الأم لشركة جوجل، فهي أكبر من "تويتر" بـ33 مرة. وقد تعهدت كلتاهما بتوظيف ما لا يقل عن عشرة آلاف مشرف آخرين لضبط المحتوى الذي يثير المشكلات.
السيدة جاد قالت إن شركة تويتر تتمتع بميزة كونها منصة عامة، ما يسهل على الجمهور جذب انتباه الموقع إلى المشاكل. وهي تريد التأكيد على حول هذه الشفافية – ابتداء من الخطوات الصغيرة مثل وضع علامات على المستخدمين الذين يرشحون أنفسهم للفوز بمنصب في الحكومة الفيدرالية، إلى مؤسسات تتطلب حذقا ومهارة، مثل السماح بالدخول إلى كيفية عمل الخوارزميات.
وقالت إن هذا الأخير يجب أن يكون متوازنا مع عدم إعطاء ميزة للجهات الفاعلة الخبيثة التي تحاول التلاعب بالمنصة.
حتى الآن، لا يبدو أن معركة "تويتر" المتخمرة مع السياسيين قد أثرت على أعمالها الإعلانية. على عكس ما حدث عندما خسر "يوتيوب" العلامات التجارية الكبرى في العام الماضي، لأن التحقيقات توصلت إلى أن إعلاناتهم موضوعة إلى جانب مقاطع فيديو سيئة، لم يشهد أي من موقعي تويتر – وفيسبوك – أي اختلالات واسعة النطاق.
على أن النشطاء يعرفون أن هذه نقطة ضعف محتملة للشركة. شانون كولتر، وهو ناشط في المجال الاستهلاكي الذي يشجع الناس على مقاطعة شركات مرتبطة بالرئيس دونالد ترمب، أنشأ قائمة بحسابات في منصة تويتر تخص شركات مجلة "فورتشن" Fortune 500، والمعلنين المحتملين، ليقوم المستخدمون بحظرهم، على أمل الضغط على منصة تويتر لحظر أليكس جونز. حتى الآن، يقوم أكثر من 50 ألف مستخدم بحجب الحسابات.
وقالت إن المعلنين على موقع تويتر "يموّلون دون وعي كثيرا من هذا المحتوى المشوه والمدمر. هناك سبب يجعل شبكة التلفزيون لا تعطي أليكس جونز برنامجا، لذا فالسؤال هو: لماذا صناعة التكنولوجيا؟".
واجه دورسي السياسيين الأمريكيين الذين يفكرون في طرق لتنظيم سياسات محتوى شركات التكنولوجيا "اعتمادا على السياسي"، لدفع الشركات إلى إزالة المحتوى أو لمنعها من إزالة المحتوى.
وقد اشتكى الرئيس ترمب الأسبوع الماضي من التحيز ضد المحافظين من جانب شركات جوجل وتويتر وفيسبوك، قائلا إنها "تسير على أرض مضطربة للغاية، ويجب أن تكون حذرة".
الخبراء القانونيون يتفقون على أن المؤسسين الأصليين كانوا واضحين بأن التعديل الأول يجعل من الصعب على الحكومة إجبار المنصات على مراقبة الكلام غير القانوني.
وبدلا من ذلك، يمكن للكونجرس متابعة تفكيك المادة 230 من قانون آداب الاتصالات، الذي سيبعد حماية المنصات من معاملتها كناشر، لجعلها مسؤولة عن المحتوى بدلا من ذلك.
سيقاتل طائر شركة تويتر لحماية المادة 230. وقالت السيدة جاد إن النجاح في صناعة الإنترنت للمستهلكين مسموح به استنادا إلى هذا القانون. وأضافت: "أهمية هذا المبدأ القانوني التأسيسي هو أنه سمح لكثير من الشركات وكثير من هذه الصناعة بالازدهار، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل وعلى مستوى العالم".
إريك جولدمان، وهو أستاذ في كلية الحقوق في جامعة سانتا كلارا، قال إن إلغاء الامتياز من شأنه أن يكون سياسة سيئة: "يمكن للكونجرس أن يهدئ كل الكلام على الإنترنت من خلال إزالة الامتياز الذي أنشأه، لكن الكونجرس الحالي يظهر شهية غير محدودة للانحياز إلى أفكار السياسة السيئة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES