FINANCIAL TIMES

سقوط «جدار برلين» في حب المصارف عقب «بريكست»

تحوّل دقيق، لكنه جوهري في الأولويات السياسية في برلين: حكومة أنجيلا ميركل بدأت تغازل المصارف الكبيرة.
في توددها لاستثارة اهتمام الشركات، عادة ما كانت برلين مغرمة بشركات صناعة السيارات، وشركات الهندسة وقطاع الشركات المملوكة للعائلة المشهور في ألمانيا – فهي محرّكات براعة التصدير في أكبر اقتصاد في أوروبا.
لقد كانت في أحسن الأحوال غير مكترثة، وأحياناً متشككة، في الصناعة المالية العالمية – وهو موقف يتشاركه كثير من الجمهور الألماني في أعقاب الأزمة المالية.
ميركل وأولاف شولتز، وزير ماليتها من الحزب الديمقراطي الاجتماعي من يسار الوسط، بدآ معاً إقامة علاقات تقارب، ومحاولة اجتذاب المصارف العالمية الكبيرة، ووضعا أنفسهما على مسافة أقرب إلى القطاع المالي.
دعا شولتز إلى "إعادة تقييم" السياسة الصناعية الفعالة لمصلحة القطاع المالي، معتبراً المصارف في ألمانيا ضعيفة جداً على نحو لا تستطيع معه دعم مصالح الشركات.
في خطوة نادرة، اصطاد أحد المصرفيين – الرئيس المشارك الوطني في بنك جولدمان ساكس، أي يورج كوكيس، وهو عضو منذ فترة طويلة في الحزب الديمقراطي الاجتماعي – ليتولى منصب نائب وزير المالية.
وقال كوكيس لصحيفة فاينانشيال تايمز "نحن نرغب في أن يُنظر إلينا كبلد يشعر بالامتنان عندما تعمل المصارف، على توفير فرص عمل في ألمانيا وجلب رأس المال والمعرفة الفنية".
تؤكد المستشارة العلاقة الوثيقة من خلال خطاب في بورصة فرانكفورت – القلب الرمزي للقطاع المالي – حول كيفية جعل فرانكفورت المركز المالي للتمويل الأوروبي، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
"من الواضح أن هذا إشارة سياسية"، كما يقول يورج روشول، رئيس كلية الأعمال إسميت ESMT في برلين، والعضو في مجلس استشاري في وزارة المالية.
يوم الأربعاء الماضي، قال هانز - فالتر بيترز، رئيس جمعية المصارف الألمانية، في مؤتمر مصرفي "إن تحالف ميركل يُصبح أكثر تقبلاً لمراجعة أساسية للتنظيم المصرفي – وهو أمر كانت تدعو إليه الصناعة".
إعادة التفكير تعود جزئياً إلى التغييرات في وزارة المالية. شولتز، العمدة السابق لمدينة هامبورج التجارية، يُظهر اهتماماً بالمصارف أكثر من فولفجانج شويبله، الحليف المحافظ منذ فترة طويلة للمستشارة الذي يرأس الآن البرلمان الألماني.
قال جيرارد شيك، المتحدث باسم البرلمان من حزب الخضر عن السياسة المالية "إن شويبله لم يكن لديه أي اهتمام على الإطلاق بالصناعة المالية".
السياسي المخضرم كان متشككاً بشدة في عالم الخدمات المصرفية العالمية البراق. يقول مسؤول كبير لدى إحدى مجموعات الضغط لمصلحة المصارف، "نظرته عن القطاع المالي لا تتجاوز مصرف أورتيناو التعاوني"، مُشيراً إلى الدائرة الانتخابية الريفية لشويبله في الجنوب.
في عام 2013، شارك في نقاش حاد عام مع الرئيس التنفيذي لمصرف دويتشه بانك في ذلك الحين، يورجين فيتشن، متهماً المصارف بـ "الإبداع الكبير" في تجاوز القوانين التنظيمية – وهو تصريح وصفه فيتشن بأنه "شعبوية غير مسؤولة".
كذلك تعلمت ميركل من خلال التجربة أن تنأى بنفسها عن القطاع المالي. قبل عقد مضى، كانت الانتقادات العلنية شديدة بعد أن تبين أن ميركل استضافت حفل عيد الميلاد الستين ليوسف آكرمان، الرئيس التنفيذي لـ "دويتشه بانك".
بعد الاضطرار إلى إنفاق مليارات من أموال دافعي الضرائب بغية إنقاذ "كوميرتز بانك"، وهايبو للعقارات، وغيرهما من المصارف خلال فترة الأزمة المالية، "تجنبت المستشارة أن تبدو قريبة جدا من المصرفيين لسنوات"، بحسب ما قال مصدر في برلين.
قال فريدريك ميرز، رئيس مجلس إدارة "بلاك روك ألمانيا"، وعضو كبير في البرلمان سابقا من أعضاء الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تقوده ميركل "المسافة بين فرانكفورت وبرلين كبيرة – ليس فقط بالمعنى الجغرافي السياسي".
برلين أخذت تتقبل فكرة أن القطاع المالي يستحق التودد. كان "بريكست" – والفرص التي يقدمها للاستيلاء على الأعمال للشركات التي ستنتقل من لندن لتبقى داخل الاتحاد الأوروبي – بمنزلة عامل مساعد".
أحد الأمور المحفزة لاتخاذ الإجراءات كان فقدان الحق في استضافة السلطة المصرفية الأوروبية، التي ستنتقل من لندن. فرانكفورت، موطن البنك المركزي الأوروبي وهيئة الرقابة المصرفية الجديدة لأوروبا، بدت خيارا واضحا – إلا أن الاختيار وقع على باريس. قال أحد أعضاء الجماعات الضاغطة في القطاع المالي لصحيفة فاينانشيال تايمز "هذا جعلهم يدركون أن النهج الذي كان متبعا في السابق كان ساذجاً".
أحد المؤشرات المبكرة للتغيير هو معاهدة الائتلاف هذا العام بين التحالف المحافظ الذي ترأسه ميركل والحزب الديمقراطي الاجتماعي. هذا الائتلاف ألزم حكومتها أن تجعل ألمانيا أكثر جذبا لمقدمي الخدمات المالية، وأن تجعل من السهل على المصارف أن تفصل كبار الموظفين، في بلد تطبق فيه قوانين صارمة تقليديا لحماية العمالة.
بعض المصرفيين في فرانكفورت ينظرون إلى دعوة شولتز المستمرة لوجود مصارف ألمانية قوية وكبيرة ونشيطة عالميا، على أنها إشارة ضمنية على أنه ربما يفضل أن يكون هناك اندماج بين مصرفي دويتشه بانك" وكوميرتزبانك – وهو موضوع يتجنب المشرعون في برلين الخوض فيه.
حصة الحكومة في "كوميرتزبانك" تبلغ 15 في المائة ما يجعل منها عنصرا فاعلا ومهما في أي صفقة.
وفي حين إن خطاب برلين يتغير الآن بكل وضوح، لا تزال الآثار العملية المترتبة على ذلك غير واضحة. يقول شيك "حتى الآن، لم نشهد كثيرا من المبادرات التشريعية بشأن الأسواق المالية من قبل الحكومة، لذلك من السابق لأوانه القول إن كان هنالك تغيير جوهري أم لا".
رحب فيليكس هيوفيلد، رئيس هيئة الرقابة المصرفية في ألمانيا "بافين"، بالعقلية الجديدة في برلين، إلا أنه قال "إنه لا يزال يتعين على الحكومة أن تنفذ ما تفكر فيه".
قال كوكيس "إنه في الوقت الذي كانت الحكومة تُجري فيه محادثات مكثفة مع المصارف التي تفكر في نقل عملياتها التشغيلية من لندن إلى فرانكفورت، إلا أنها لا تريد الانخراط في سباق تنظيمي إلى الأدنى من أجل اجتذاب الأعمال".
حتى الذين يرحبون بتوثيق العلاقات بين المصارف الألمانية الكبرى وبرلين يعترفون بأن هنالك مسافة عليهم تجاوزها قبل أن يحصلوا على النفوذ الذي تتمتع به مئات من مصارف الادخار والتعاونيات في ألمانيا. هذه مؤسسات راسخة الجذور في المناطق ولها علاقات وثيقة بالسياسيين المحليين.
كمثال على ذلك، يشير المصرفيون الألمان إلى عدم قدرة برلين على الضغط من أجل مصالح المصارف الألمانية، حين استحدث الاتحاد الأوروبي ما يعرف باسم قواعد بازل 4 حول رأسمال المصارف. وجهة النظر هي أن باريس قدمت حجة أفضل بكثير لمصلحة قطاعها المالي.
قال الرئيس التنفيذي لمصرف ألماني كبير لصحيفة فاينانشيال تايمز شريطة عدم الكشف عن هويته "أخفقنا في إقناعهم بوجهة نظرنا".
وقال الرئيس التنفيذي "إن المصرفيين والسياسيين الفرنسيين غالبا ما يكونون خريجين من الكليات والجامعات الراقية نفسها". وقال "في فرنسا، هناك فهم متبادل بأن تساعد الحكومة المصارف، وأن تساعد المصارف الحكومة. في ألمانيا، لن نحصل على هذا النوع من التعاون خلال جيل".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES