FINANCIAL TIMES

قلق في «العمال البريطاني» من انفصال كتلة الوسط

أصبح حزب العمال يشعر بالقلق بشكل متزايد تخوفا من انبثاق حزب انفصالي "وسطي" في الأشهر المقبلة، في الوقت الذي يشعر فيه النواب المعتدلون، بالغضب في ظل قيادة جيريمي كوربين اليسارية "الحمراء".
فكرة إنشاء نسخة ثانية وسطية على غرار الحزب الديمقراطي الاجتماعي، كانت موضع نقاش منذ أن أصبح كوربين زعيم المعارضة البريطانية في عام 2015. كوربين، النائب الذي لم يسبق له شغل أي منصب وزاري، لديه آراء تقع على مسافة كبيرة، على يسار معظم نواب حزب العمال في البرلمان.
يعتقد كبار الشخصيات حول كوربين أن التهديد بالانشقاق يمكن أن يكون وشيكا، في هذه الآونة.
أخذ بعضهم منذ الآن يتوقعون متى سيحصل الانفصال والدمار الذي سيوقِعه. وهناك آخرون يأخذون على محمل الجد إشاعات تفيد بأن من الممكن إطلاق حزب وسطي مؤيد للتكامل الأوروبي مباشرة بعد "بريكست" – في الأول من نيسان (أبريل) من العام المقبل – من أجل تنفيذ حملة ترمي إلى أن تعيد بريطانيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
جون ماكدونيل، وزير المالية في حكومة الظل، أعرب عن تلك المخاوف في وقت مبكر من هذا الشهر، حين حذر من أن الأمر سيكون "تشاؤميا بصورة فظيعة" إذا استخدم النواب المعتدلون الخلاف الحاد الذي وقع هذا الصيف حول معاداة السامية، لإنشاء حزب جديد.
مشاعر القلق والتشاؤم حول زعامة كوربين جعلت بعض الأعداء القدامى يتصالحون: توم واطسون، نائب الزعيم، كان ضمن مجموعة من النواب الذين حضروا حفل شواء في منزل بيتر ماندلسون في 24 تموز (يوليو) الماضي. على مدى سنوات كثيرة كان الاثنان على طرفي نقيض من الخلاف القديم بين توني بلير وجوردون براون. كان واطسون مستشارا لبراون، في حين كان اللورد ماندلسون مؤيدا أصليا لتوني بلير.
ذكرت صحيفة "صنداي تايمز" أن نقاش تموز (يوليو) الماضي، تركز على "بريكست" وليس على الزعامة، على الرغم من أن الحضور لم ينفوا أن فكرة حزب جديد قد أثيرت خلال اللقاء.
كثير من نواب حزب العمال لا يزالون يكرهون حتى مجرد التفكير في الخروج من الحزب، نظرا إلى تراث الحزب الديمقراطي الاجتماعي – الذي أنشئ في عام 1983. اليسار عد أن رحيل المعتدلين من أمثال شيرلي وليامز وديفيد أوين وروي جنكينز، هو السبب في إبقاء حزب العمال خارج السلطة حتى عام 1997.
يعتقد بعضهم أن الحزب ربما يكون قد تغير إلى غير رجعة، منذ الطوفان الذي شهد دخول أعضاء جدد أكثر راديكالية إلى الحزب منذ عام 2015. وفي حين يستطيع بعضهم أن يتحمل سياسة كوربين المحلية – التي تشتمل على عمليات التأميم، ومزيد من الضرائب والإنفاق – إلا أنهم لا يشعرون بالارتياح نحو سياسته الخارجية.
آلان جونسون، وهو وزير بارز في حكومتي بلير وبراون، قال في الأسبوع الماضي: "أصبح الانشقاق في حزب العمال أمرا محتوما الآن".
حتى بعض مؤيدي كوربين شعروا بالإحباط من الطريقة التي هيمنت بها مشاعر زعيم الحزب ضد إسرائيل – كوربين مؤيد منذ فترة طويلة لحقوق الفلسطينيين – على أجندة الأخبار هذا الصيف.
الخلاف حول معاداة السامية وصل إلى الذروة هذا الشهر بعد أن تبين أن كوربين وضع إكليلا من الزهور على قبور شخصيات من منظمة التحرير الفلسطينية.
أثار هذا خلافا شديدا داخل قيادة حزب العمال، حيث كان عدد من كبار الشخصيات يحضون كوربين على إنهاء الخلاف، لكنهم فشلوا في مسعاهم.
تشتمل قائمة هؤلاء "الواقعيين" على ماكدونيل وأندرو فيشر، رئيس السياسات، وجون لانسمان، رئيس مجموعة الزخم المؤيدة لكوربين، وأندرو موراي، أحد كبار شخصيات زمرة يونايت الذي يقدم النصح والمشورة للقائد.
كوربين، الذي يحظى بدعم كبيرة موظفيه كاري ميرفي، يعتقد أنه لم يرتكب ما يوجب الاعتذار عليه ورفض التراجع.
قال أحد المطلعين: "هناك رأي سائد بين الزملاء البرجماتيين، وهو أن أفضل شيء يمكن عمله هو وضع حد لهذا الأمر بالعودة إلى مناقشة ما تستطيع حكومة حزب العمال فعله حين تكون في السلطة، ويرون أن غير هذا بمنزلة تشتيت لجهود الحزب".
قال ماكدونيل علنا إن كبار الشخصيات يحاولون حل المأزق. قال أخيرا في تغريدة له عبر "تويتر": "بالنسبة لأي شخص يريد استخدام قضية معاداة السامية كتغطية لإطلاق حزب سياسي جديد كانوا يخططون لإنشائه منذ نحو عامين، فإن هذا سينظر إليه بحق على أنه تصرف يتسم بكراهية فظيعة، حيث إنه يستغل بشكل دنيء مصدر قلق حقيقي، يعمل الأشخاص ذوو النوايا الحسنة بكل جد واجتهاد على التصدي له".
مع ذلك، يتسع نطاق الانزعاج بين أعضاء البرلمان من حزب العمال إلى مسافة أبعد بكثير من الخلاف حول معاداة السامية. يعتقد كثيرون أن سياسة كوربين ذات الجذور التروتسكية، غريبة بالنسبة لتاريخ الحزب القائم على الديمقراطية الاجتماعية "الفابية".
منذ الانقلاب الفاشل في عام 2016، يستعد فريق كوربين لعمليات الانشقاق عن الحزب. حتى الآن انسحب عدد قليل من أعضاء البرلمان من حزب العمال، على سبيل المثال تريسترام هانت وجيمي ريد – وغادروا جميعا المجال السياسي نهائيا.
أحد الاستثناءات هو جون وودكوك، وهو ناقد منذ فترة طويلة لكوربين، الذي غادر الحزب ليصبح عضوا مستقلا في البرلمان. الأسبوع الماضي، أفيد بأن مايك جيبس، عضو برلمان مخضرم، قال لزملائه من خلال رسالة جماعية عبر "واتساب": "انتهى الأمر بالنسبة إلي. وكل ما تبقى هو توقيت الإعلان الذي سيصدر عني".
قال أحد أعضاء البرلمان الوسطيين إن هناك مناقشات منتظمة حول تشكيل حزب منشق إلا أن المحادثات كانت غامضة: قال أحد أعضاء البرلمان حول التقارير المتعلقة بالانفصال: "إنها كلام فارغ تماما. أعتقد أنهم يحاولون تحديد هذا حتى قبل أن يقرر أي أحد منا ما يريد فعله".
مع ذلك، قد لا يكون البقاء مكتوفي الأيدي خيارا. يطالب أعضاء الحزب اليساريين بمزيد من الصلاحيات من حيث عدم اختيار زعيم الحزب مرشحا للانتخابات المقبلة، من أجل إعادة بناء صورة الحزب على مثال كوربين قبيل إجراء الانتخابات العامة المقبلة.
تضغط حركة الزخم من أجل مناقشة قضية عدم الاختيار خلال مؤتمر الحزب الذي سيعقد الشهر المقبل.
قدمت قضية "بريكست" لأعضاء البرلمان المعتدلين مسألة جوهرية لتعريف أنفسهم مقابل القيادة، نظرا لرفض كوربين الموافقة على إجراء استفتاء ثان – في الوقت الذي يود فيه معظم الأعضاء محاولة عكس مسار "بريكست".
قال كريس ليسلي، وزير مالية ظل سابق، إن هناك أزمة "لا يمكن إنكارها" داخل الحزب حول معاداة السامية، كما فشل كوربين في "توجيه المعركة" نحو أنصار "بريكست" المتشددين.
وقال إن بعض أنصار كوربين يحاولون تشويه سمعة النواب المؤيدين للتكامل الأوروبي، الذين هم على استعداد للعمل عبر الخطوط الحزبية من خلال تسميتهم بأنصار "بدايات حزب جديد".
"هناك خيار أمام القيادة الآن: هل ستواصل دفع تقليد يسار الوسط إلى خارج حزب العمال، أم البدء في احترام الآراء المختلفة؟" حسبما أضاف.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES