ثقافة وفنون

الشحاذة

صارت تمشي كل صباح بخطا رتيبة بطيئة متأملة بعينين جامدتين ذاهلتين صور الشهداء القتلى.. كل يوم مزيد ومزيد من الشهداء، يصيبها القتل بالانبهار، لكنه انبهار من نوع خاص. وبدأت فكرة الانتحار تتسلل كاللص إلى عقلها، كما لو أنها من إفرازات الموت لشبان سورية، كما لو أنهم يدعونها لتشاركهم مصيرهم، كما لو أنهم يقولون لها: لماذا أنت حية ونحن متنا، والأجدر أن يموت الكبار وتتفتح براعم الصبا؟. لم تفكر يوما في الانتحار، وكانت تتعجب كيف تسللت تلك الفكرة إلى رأسها وأخذت تتمدد مستعمرة خلايا دماغها، حتى ملامحها تغيرت، إذ أصبحت متجهمة بعد أن كان الجميع يمتدح وجهها الصبوح وابتسامتها المشعة من قلبها. لم تعرف كيف ستؤثر فيها الحرب والقتل، لكنها كانت مستسلمة ومذعورة في الوقت نفسه، وأكثر ما كان يقلقها ويخيفها إدراكها أو حدسها أنها لم تعد تملك الإرادة الكافية للصمود في وجه الآثار المدمرة للحرب، سيان عندها النظام أم المعارضة، لا تشعر أن أحدًا منهما يمثلها أو يمثل الشعب السوري، صارت فجأة تعاني نوبة عاصفة من البكاء، وتنبهر من قدرة غدتها الدمعية على ذرف الدموع.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون