FINANCIAL TIMES

وظائف مشبوهة .. سوق للاتجار بالبشر على الإنترنت

"وظائف في الخارج" ـ Locuri de munca in strainatate باللغة الرومانية - واحدة من عدد من صفحات فيسبوك التي تتم متابعتها على نطاق واسع، وهي تستهدف العمال من أوروبا الشرقية، من خلال إعلانات عن وظائف في المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وفرنسا.
تظهر في صورة الملف الشخصي للصفحة امرأة ترتدي قبعة استحمام تحمل مجموعة من ثمار الفراولة. ويظهر في صورة الغلاف رجلان يرتديان خوذتين، يقيسان حديد تسليح في موقع بناء.
لدى الصفحة ما يقارب 17 ألف متابع، وبهذا تثبت الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في توظيف العمال المهاجرين، لكنها تسلط الضوء أيضا على التحدي المتزايد الذي تواجهه السلطات في محاربة التوظيف الاستغلالي والمضلل عبر الإنترنت.
كلارا سكريفانكوفا، مديرة برنامج المملكة المتحدة وأوروبا في المنظمة الدولية لمناهضة العبودية، تقول: "عندما تتصفح فيسبوك تجد كثيرا من جماعات المصالح، والعمال المهاجرين، يتشاركون المعلومات حول الوظائف أو العمال ويحاولون توظيف بعضهم بعضا من خلال الإنترنت. لكنك تجد قليلا جدا من المعلومات حول الحقوق، أو رسوم التوظيف، أو التوظيف المضلل".
تقرير صدر حديثا عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال الذي يموله الاتحاد الأوروبي، استشهد بصفحة "وظائف في الخارج"، لنشرها إعلانات أثارت مخاوف بشأن المخاطر المحتملة على العمال. وقال التقرير إن إعلانات الوظائف التي تعد بأجور عالية بشكل غير واقعي، ولا تقدم أي عنوان لوكالة توظيف، أو وصفا عاما لطبيعة العمل هي "نذر واضحة" لاستغلال محتمل. لكن صفحة فيسبوك والموقع المرتبط بها يستمران في عرض مثل هذه الإعلانات.
أحد الإعلانات كان عن وظيفة عامل تعليب من رومانيا للعمل في فرنسا، دون أن يقدم أي معلومات عن الوظيفة أو الراتب، فقط يذكر أن مزايا العمل تشمل بيئة عمل مستقرة وأنها مهمة طويلة الأجل. وعندما اتصلت "فاينانشيال تايمز"، أغلق مسؤول التوظيف الهاتف.
فيليب فيشمان، أحد كبار مستشاري منظمة العمل الدولية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة تعالج مشكلات العمل، تساءل عما إذا كان على شركات وسائل التواصل الاجتماعي "أن تتوقع قدرا معينا من الصدق والمسؤولية في إعلانات التوظيف".
وقال: "لا أعتقد أنهم يتحملون مسؤولية. مثلا، إذا كانت فيسبوك على علم بوجود كيان يستهدف جمهورا نيباليا للعمل في الخليج ويعدهم بدخل يراوح بين 50 و60 ألف دولار (سنويا)، السؤال الموجه لفيسبوك هو ما مقدار المسؤولية التي تقع عليها لضمان أن الإعلان مرتبط بالواقع؟".
في خطاب ألقته في المنتدى الاقتصادي العالمي في كانون الثاني (يناير)، انتقدت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، شركات التكنولوجيا لفشلها في بذل مزيد من الجهد لمنع الاتجار بالبشر.
قالت: "لا يمكن لشركات الإنترنت أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تستخدم برامجها لتسهيل إساءة معاملة الأطفال، أو العبودية الحديثة، أو نشر المحتوى الإرهابي والمتطرف".
بعد أربعة أشهر، أوصت "سلطة مكافحة رؤساء العصابات وسوء معاملة العمال"، وهي هيئة عامة، الحكومة البريطانية بـ "معرفة ومعالجة أسباب الاستخدام المتزايد للوظائف التي تطرح في وسائل التواصل الاجتماعي وعبر الإنترنت، وزيادة الوعي داخل المجتمعات المعرضة لأن تكون ضحية لممارسات استغلالية". ورفض متحدث باسم وزارة الداخلية التعليق.
وبدأت السلطات في أجزاء أخرى من أوروبا التدقيق في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الاتجار بالعمال، إلا أن جهود الشرطة كانت غير متناسقة ويصعب تتبعها.
بيتيا نيستوروفا، السكرتيرة التنفيذية لاتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة الاتجار بالبشر، أشارت إلى الشرطة في آيسلندا، التي قالت إنها تستعرض مواقع التواصل الاجتماعي بحثا عن عروض توظيف مشبوهة. إلا أنها قالت إن عددا قليلا من البلدان الأخرى اتخذت سياسات مماثلة، وفي بعض الآخر، مثل أذربيجان وأوكرانيا، أعطت الحكومات أمرا بإيقاف مؤقت للمفتشين المسؤولين عن العمال حتى لا يزعجوا الشركات بشأن الاستغلال.
وأضافت أن مسؤولين رفيعي المستوى من مجلس أوروبا التقوا بشركات الإعلام الاجتماعي في الأشهر الأخيرة لمناقشة الأدوار التي يجب أن تلعبها البرامج في ضمان حماية حقوق الإنسان.
وقالت: "بالتأكيد يعد (التوظيف في وسائل التواصل الاجتماعي) مجالا نشعر فيه أننا بحاجة إلى معرفة المزيد"، مضيفة أن المزيد من المعلومات حول كيفية استخدام المتاجرين بالبشر لهذه البرامج ستدعم جهود الشرطة.
قوات الشرطة وصانعو السياسات يقولون من الصعب تحديد التوظيف الاستغلالي على الإنترنت عندما تجري محادثات تفصيلية عادة في نشاط خاص وغير قانوني يحدث غالبا إلى جانب سلوك قانوني.
وقال روبرت سريبنكو، رئيس مركز تهريب المهاجرين الأوروبي في يوروبول، وهي وكالة إنفاذ قانون أوروبية: "ترتبط الأنشطة ارتباطا وثيقا بأسواق العمل القانونية". وأضاف: "التعاون بين جهات تطبيق القانون ووسائل التواصل الاجتماعي أمر ضروري".
وحذرت جماعات مكافحة الاتجار بالبشر من أن عمليات القمع قد تدفع المتاجرين إلى ممارسة أعمالهم في الخفاء.
وقالت كارولين روبنسون، مديرة حملة "التركيز على استغلال العمال": "إن العمال المستميتون في الحصول على فرص عمل في الخارج قد تم توجيههم إلى طرق توظيف أكثر خطورة من أي وقت مضى".
وأضافت: "هناك حاجة ملحة للنهوض بالمناقشات العالمية فيما يتعلق بالحد الأدنى لمعايير التوظيف الآمن ولرصد الامتثال لهذه المعايير. لا يمكن لدولة أن تضع حدا لهذا الأمر بمفردها، وجود التنسيق الدولي أمر ضروري".
لكن دون وجود إشارات واضحة (للاستغلال) في الإعلانات العامة على المواقع، يتبين أن هذه المسألة معقدة بالنسبة لشركات التكنولوجيا التي لا تطلع على الاتصالات الخاصة.
قالت فيسبوك إنها تعمل مع الأمم المتحدة والمنظمات الشعبية لزيادة الوعي فيما يتعلق بتهريب البشر والاتجار بهم.
وقال متحدث باسم الشركة: "إننا نتشاور باستمرار مع الخبراء في هذا المجال لضمان أن سياساتنا تمثل الاتجاهات المستجدة في هذا الفضاء كما ينبغي، ونحن ما زلنا ملتزمين بابقاء النشاط غير القانوني خارج فيسبوك". تويتر، الذي لا يسمح بالأنشطة غير القانونية في منصته باعتبارها مسألة سياسة، رفض التعليق على هذا الأمر.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES