المرتزقة بعد التحديث

|
حين تسمع بكلمة "المرتزقة"، فغالبا ستقفز إلى ذهنك تلك الصورة النمطية للكلمة، فتتخيل جاسوسا خائنا باع وطنه للعدو من أجل المال وإغراءات أخرى، أو شلة قراصنة بعصابات رأس سوداء موسومة بعلامة الموت يحملون أسلحتهم الرشاشة ويجوبون البحار واليابسة لترويع الآمنين، أو قد تتخيل واحدة من تلك الألعاب الإلكترونية مثل "زومبي" وغيره حيث تناثر أشلاء الضحايا والدماء والرصاص ومطاردات لا تنتهي! في عصرنا الحالي قام كثير من المرتزقة بتحديث أنفسهم، فأصبح المرتزق شخصا أنيقا جذابا معسول الحديث يدهشك بذكائه وعلاقاته الاجتماعية المتعددة، ويثير إعجابك بأفكاره التي تتمحور حول الحب والعدل والسلام والمساواة، فيدفعك إلى الوثوق به والوقوع في شباكه وتصديق كل ما يقول. المرتزق في الحياة لن يكون غريبا بالنسبة إليك، ربما يكون من أقربائك أو أصدقائك أو زملاء عملك. الإشكالية لا تكمن في أنك وقعت ضحية له، بل في أنك كنت تلاحظ إشارات معينة ترشدك إلى مكره وخداعه وحقده ضد وطنه، لكنك كنت "تطنش" وتمررها في كل مرة، وحين وقع الفأس في الرأس، بدأت في العويل واللطم والبحث عن مخرج! حين يتفشى وباء ما في العالم تبدأ وزارات الصحة في توفير اللقاحات ورفع مستوى التوعية لمحاربة المرض والقضاء عليه. هؤلاء المرتزقة لا يقلون خطرا عن الطاعون في نظري، لأنهم سيجعلونك تكره نفسك ومجتمعك ووطنك وتنقلب على كل القيم الوطنية الجميلة، فيصنعون منك شخصا محبطا وحزينا وناقما على كل وضع وحدث وخبر، خطورتهم تكمن في محاولات تشويههم وتضخيمهم للأحداث لخدمة أهدافهم الخاصة! - المرتزقة في الحياة سيشعرونك بأهميتك وأن كل نظرياتهم تهدف إلى مصلحتك، فإذا وثقت بهم بدأوا في بث سمومهم وزرع أفكارهم المعادية للوطن فيصنعون منك حاقدا خائنا تابعا لهم بلا تفكير! - سينسلون إلى خلايا أفكارك ويستوطنون جدران عقلك ويحدثونك عن الدين والشرع من خلال المنظور الذي يخدم توجهاتهم، وحين يحققون أهدافهم من خلالك وتقع في مطب ما فسيهجرونك ويتبرأون منك! - سيفسدون عليك حياتك ويسحبونك معهم إلى قاع الحياة، حيث خيانة الوطن، فتصبح الغاية عندهم تبرر الوسيلة ولو كانت الوسيلة هي روحك، وسيصورون لك "البحر طحينة" على قولة إخواننا المصريين، وحين تقع وتفقد كل شيء سيتلاشون من حياتك، فأنت كنت مجرد وسيلة! إن خدعك مرتزقة الحياة فلا تلمهم أبدا.. فالعلة تكمن فيك لا فيهم! يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - "أنا لست بالخب ولا الخب يخدعني".

اخر مقالات الكاتب

إنشرها