FINANCIAL TIMES

«جوبتا جيت» .. تكشف مخاطر رقص المدققين مع العملاء

في التعارف الأول، يبدو ماورو بوتا مليئا بالتناقضات. يقول الإيطالي البالغ من العمر 40 عاما، الذي يعمل في شركة برايس ووترهاوس كوبرز منذ نحو 20 عاما قبل إقالته في الصيف الماضي، إنه "متحمس بشكل لا يصدق" حول التدقيق، ويظل "مولعا بشكل لا يصدق" بشركته السابقة.
وقال في مقابلة عبر الهاتف من شقته في سان خوزيه بكاليفورنيا: "اهتديت لمهنتي وهي ما أحب القيام به". وأضاف متحدثا عن الشركة: "أنا أحب هذه المؤسسة، وأعدها بيتي".
على الرغم من هذا، قرر بوتا في آذار (مارس) الماضي، رفع دعوى قضائية ضد شركة برايس ووترهاوس كوبرز، يدعي فيها أن الشركة طردته ظلما انتقاما لمحاولاته المتكررة تسليط الضوء على ممارسات "الاحتيال" في مكاتب الشركة في وادي السيليكون.
المشاكل التي ادعى أنها كانت تحدث بانتظام في الشركة لا تتضمن السلوك الاحتيالي المتهور الذي سبقته فضائح محاسبية أكثر تفجرا في شركات مثل إنرون وأوليمبوس.
على أن القضايا التي أثارها أبرزت مشكلة أكثر جوهرية غالبا ما تكمن وراء سوء السلوك في السوق: المدققون قريبون من عملائهم فوق الحد.
وفي حالة بوتا، قال إن مراجعي الحسابات في الشركة يقومون بشكل روتيني بتصحيح حسابات عملائهم أثناء إعدادهم لها، ما يعني أنه عندما يتعلق الأمر بتدقيق تلك الوثائق، فإنهم يقومون في الواقع بتسجيل عملهم الخاص. كان قلقه هو أن شركاء شركة برايس ووترهاوس كوبرز كانوا يضعون موضوعيتهم موضع الشبهة. وكان من رأيه أيضا أن نقاط الضعف في الضوابط الداخلية في بعض هذه الشركات لم تُبرَز بشكل واضح أمام أنظار المساهمين من قبل شركة التدقيق، في حين كان ينبغي أن تكون كذلك.

قريب إلى درجة الخطورة
بالنسبة للغرباء، قد تبدو ادعاءاته مبهمة لا يفهمها إلا الخاصة، لكن ما كان يحتمل أن يكون أكثر دلالة هو التعليقات التي تلقاها بوتا على أدائه في عام 2014، بعد عامين من إثارته لهذه الاهتمامات داخليا.
هناك وثيقة من شركة برايس ووترهاوس كوبرز – اطلعت عليها صحيفة "فاينانشيال تايمز" – توضح بالتفصيل نتائج مراجعة اطلع عليها الأقران، وأجريت في ذلك العام، التي سلطت الضوء على توقعات الشركة السلوكية من الأشخاص الطامحين ليصبحوا شركاء فيها.
قال أحد الزملاء: "ما لم يبلغ مستوى أن يطلبه العملاء بالاسم وبكل قوة، لا أعتقد أنه سيصل إلى مرتبة الشريك على الإطلاق".
وقال آخر: "يجب (على الشريك) بناء العلاقات على نحو يجعل العميل لا يرغب أبدا في مغادرة شركة برايس ووترهاوس كوبرز".
وأضاف ثالث: "إذا كان مسؤولا فعلا عن جلب الإيرادات وإبقاء العملاء، وهو ما يفعله الشركاء، سيكون عليه التكيف بسرعة".
بالنسبة لمراقبي الصناعة، هذه التعليقات هي مؤشر مثير للقلق على أن شركات المحاسبة تفضل أن تتملق لعملاء التدقيق – الذين قد يكونون أيضا مصدرا مربحا للدخل الاستشاري – بدلا من تحديهم.
تقول ناتاشا لاندل ميلز، مديرة حوكمة الشركات في دار ساراسين للاستثمار البريطانية: "يعمل المدقق لصالح المساهمين من خلال التحقق من التنفيذيين، وهو بحاجة إلى أن يكون قويا، لكن بالنسبة لغير المدقق، فإن الحافز هو إرضاء التنفيذيين للحصول على العمل".
"(هذه التعليقات) تعطيك إحساسا بحالات التضارب وكيف يمكن أن تسمم واجبات المدققين الأساسية للمساهمين والجمهور".
قالت برايس ووترهاوس كوبرز: "ادعاءات بوتا خاطئة تماما. لقد تم إنهاء عمله لأسباب مشروعة تتعلق بالعمل، وسنثبت ذلك في المحكمة. استقلاليتنا تحدد الأساس لنا لممارسة التشكك المهني وإجراء استنتاجات موضوعية في التدقيق. يتم تقييم الشركاء والموظفين في شركتنا بناء على إنجازهم لجودة التدقيق، ونراقب التزامنا بسياساتنا وإجراءاتنا والمعايير المهنية والتنظيمية المعمول بها".

فوضى متعددة الجنسيات
المخاوف من أن يكون المدققون على علاقة وثيقة أكثر من اللازم مع العملاء – والإخفاق في الكشف عن حالات الاحتيال المحاسبية أو تسليط الضوء عليها كنتيجة لذلك – لا تقتصر بأية حال على شركة برايس ووترهاوس كوبرز. تتعرض كل شركات المراجعة أو التدقيق الأربع الكبرى للنقد، بسبب علاقاتها القريبة والوطيدة مع العملاء في السنوات الأخيرة.
وقال أكاديمي يركز على هذا القطاع: "إنها ليست شركة واحدة تستمر في فهم هذا الأمر بشكل خاطئ – بل هي جميعا كذلك، وهذه مشكلة. لا أعتقد أن الناس يتجاوزون عن الأخطاء الموجودة لدى العملاء لأنهم قلقون بشأن أرباحهم، لكنهم يتخذون قرارات تمكنهم من الحفاظ على علاقة ما". أحد الأمثلة البارزة على المحاسبين الذين يقتربون أكثر من اللازم من العملاء هي علاقة شركة كيه بي إم جي مع عائلة جوبتا التي تملك المليارات في جنوب إفريقيا – التي كانت في قلب فضيحة فساد حكومي ضخمة – على مدى 15 عاما وانتهت في عام 2016.
أظهرت رسائل البريد الإلكتروني التي تسربت في العام الماضي أن مكتب شركة كيه بي إم جي في جنوب إفريقيا، سمح لشركة مملوكة لعائلة جوبتا بتسجيل الإنفاق على حفل زفاف عائلي عام 2013، على أنه نفقات خاصة بالأعمال.
وحضر حفل الزفاف أربعة شركاء من شركة كيه بي إم جي، ووصفه أحد التنفيذيين في الشركة بأنه "حدث الألفية". الأعمال التي نفذتها شركة كيه بي إم جي لعائلة جوبتا تخضع الآن للتحقيق من قبل اثنين من الأجهزة المنظمة المحلية.
وفي غضون ذلك، تم تغريم شركة إرنست يونج "إي واي" EY مبلغ 9.3 مليون دولار من قبل لجنة الأوراق المالية والبورصات منذ عامين، بسبب إخفاقها في اتخاذ الإجراء المناسب عندما تبين أن اثنين من شركاء التدقيق شكلا علاقات وثيقة بشكل غير سليم مع العملاء.
إحدى الشريكات تورطت عاطفيا مع كبير الإداريين المحاسبيين في شركة تدقق عليها؛ وأنفق شريك آخر أكثر من 100 ألف دولار على الترفيه "على حساب الشركة" لكبير الإداريين الماليين في شركة مدرجة قام بالتدقيق عليها.
وفي الآونة الأخيرة، تعرضت شركة برايس ووترهاوس كوبرز لانتقادات في المملكة المتحدة بسبب عملها لصالح شركة التجزئة المنهارة بي إتش إس BHS. وأثار الجهاز التنظيمي في المملكة المتحدة هذا الشهر، المخاوف بشأن فشل شركة التدقيق في رصد تضارب المصالح بشكل كاف، بعد أن تبين أن الشركة ربحت من العمل الاستشاري لصالح شركة بي إتش إس BHS ثمانية أضعاف ما ربحت من التدقيق.
وافق الشريك الرئيس المسؤول عن التدقيق في الشركة، ستيف دينيسون، على حظر لمدة 15 عاما من الصناعة، بعد أن توصل الجهاز التنظيمي إلى أنه سجل ساعتين فحسب من العمل في التدقيق.
في هذه الأثناء، تخضع شركة ديلويت للتحقيق بشأن عملها في شركة التجزئة ستاينهوف، المدرجة في فرانكفورت وجوهانسبرج، التي كشفت في العام الماضي عن ثقب أسود بأكثر من خمسة مليارات يورو في حساباتها.
وانتقد المساهمون شركة ديلويت، التي كانت تمارس أعمال التدقيق على شركة ستاينهوف لمدة 18 عاما على الأقل، بسبب "(الإخفاق) الخطير في مهمتها القانونية كمدقق حسابات" من خلال منح شركة التجزئة تدقيقا بنجاح تام، قبل وقت قصير من كشف المخالفات المحاسبية.

معيبة .. هل هي قاتلة؟
كبار التنفيذيين في الشركات الأربع الكبرى والشركات المنافسة الأصغر مدركون بشكل مؤلم لتيار الانتقادات الموجهة إلى الصناعة في الأشهر الأخيرة، لكن قلة منهم يوافقون على أن مدققي الحسابات في تلك الشركات يتأثرون بالمصالح التجارية عند التوقيع على حسابات الشركة.
قال آندي بالدوين، رئيس قسم أوروبا والشرق الأوسط والهند وإفريقيا في شركة إي واي EY: "لا أشعر بالقلق حول مسألة أن مراجعي الحسابات في شركتنا هم رهينة للإدارة أو أنهم ليسوا متشككين بما فيه الكفاية. لا بد أن يحدث خلل في مكان ما – السؤال هو ما هي استجابتك لذلك؟
كما تصر الشركات على أن الشركاء لديها يقاومون بشكل روتيني إدارة الشركة، عندما يتم الكشف عن المشاكل.
قال أحد كبار المسؤولين في إحدى الشركات الأربع، الذي تحدث بشكل خاص: "يوقع الشركاء أسماءهم في نهاية تقرير التدقيق. يأخذون ذلك على محمل الجد إلى درجة كبيرة. لديهم نزاهة مهنية حقيقية ونضغط باستمرار للتأكد من أنهم يفعلون الشيء الصحيح".
"بالنسبة لعمليات التدقيق عالية المخاطر، يزحف الشركاء ويدققون كل صغيرة وكبيرة في الحسابات". على أن هناك اعتراف بأنه يمكن إجراء تحسينات.
قبل أربع سنوات، انتقد مجلس الإبلاغ المالي شركة إي واي EY بعد أن جاءت في أدنى تصنيف الجهاز المنظم في المملكة المتحدة حول جودة التدقيق.
منذ ذلك الحين، غيرت الشركة هيكل المكافآت الخاصة بالشركاء بحيث تكون جودة التدقيق – التي تقاس جزئيا من خلال عدد المرات التي يستشيرون فيها الزملاء للحصول على المشورة – هي الآن المقياس الأساسي الذي يتم بناء عليه تحديد رواتبهم.
هذا المقياس يفوق كثيرا المقاييس الأخرى، مثل اجتذاب العملاء والاحتفاظ بهم أو العلاقات مع الزملاء.
كما قامت شركة كيه بي إم جي، التي جاءت هذا العام في أسفل تصنيف مجلس الإبلاغ المالي، بتغيير هيكل المكافآت في العام الماضي، وإزالة أي حافز للشركاء لبيع خدمات بخلاف التدقيق للعملاء، ووضع مزيد من التركيز على جودة التدقيق عند تقييم الأداء.
يخشى المراقبون من أن مثل هذه التغييرات لا تزيد على كونها تعديلات يسيرة على نظام معيب بشكل أساسي.

يا شباب .. هؤلاء يعرضون الشركة للخطر
يعتقد منتقدو السوق أن شركات التدقيق – والهيئات التنظيمية – ينبغي أن تقوم بالمزيد للتصدي لحالات تضارب المصالح التي تعتقد أنها تحرك السلوك السيئ. يدافع كثيرون عن النموذج الهولندي، حيث لا تستطيع شركات المحاسبة تقديم أي عمل استشاري لعملاء التدقيق المدرجين في البورصة.
وهذا أكثر صرامة من المتطلبات الأوروبية، التي تقيد المبلغ الذي يمكن كسبه من العمل الاستشاري إلى 70 في المائة من الرسوم على تدقيق حسابات الشركة المدرجة على مدى ثلاث سنوات.
هناك أيضا دعوات إلى تطبيق هذه القيود على الشركات غير المدرجة.
وفي الوقت نفسه، يعتقد آخرون أن النظام بأكمله الذي يتعلق بما يتقاضاه مدققو الحسابات، ينبغي أن يخضع لإصلاحات واسعة حتى لا يكون هناك إغراء لإرضاء رغبات الإدارة.
وقد ينطوي ذلك على نظام تكون فيه تعيينات المدققين والرسوم من مسؤولية هيئة مستقلة، مثل البورصة أو الهيئة التنظيمية، بدلا من لجنة تدقيق الشركة.
يريد بوتا تغييرات أكثر جذرية حتى من ذلك، فمن رأيه أن النظام لن يعمل أبدا بشكل فعال في الوقت الذي تدار فيه شركات التدقيق كشركات خاصة ذات حوافز تجارية.
وقال: "تم إعداد النظام بحيث يحتاج الشريك إلى رعاية العلاقة مع الأشخاص أنفسهم الذين من المفترض أن يقوم بتدقيقهم. بالنسبة لي هذه وظيفة للصالح العام ولا ينبغي أن تقوم بها شركات خاصة".
بدلا من ذلك، يعتقد أن عمليات التدقيق يجب أن تتم من قبل هيئة عامة مشابهة لمصلحة ضريبة الدخل الأمريكية. وكيف يفسر تناقضاته الداخلية هو بالذات – ادعاءه بحب الشركة التي يقاضيها في الوقت نفسه ويقترح أنه يجب تأميمها؟
قال: "يكاد يكون مثل القول: أنا متدين ملتزم بالفعل وبالقول معا، لذلك أنا أحب مذهبي كثيرا، إلا أن لدي مشكلة مع الكهنة" بوضوح.
"أنا أحب (شركة برايس ووترهاوس كوبرز) وأعدها بيتي – كنت أحاول حماية الشركة من سوء السلوك. ولهذا السبب أبلغت عن هذه الأشياء داخليا – لأقول يا شباب، هؤلاء الناس يعرضون الشركة للخطر".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES