الصندوق العقاري .. غياب الرؤية

|
منذ أن بدأت مسيرة التنمية في بلادنا والصندوق العقاري شريك فاعل فيها، كان خير معين لملايين المواطنين الذين استفادوا من قروضه المباشرة وحققوا حلم العمر بامتلاك السكن الملائم، ولا يكاد يبنى منزل دون مشاركة من صندوق التنمية الذي كان يقرض بلا منة وبلا ضجيج إعلامي وبلا تعقيدات كما أرادت له الحكومة. لقد رسخ الصندوق سمعته الذهنية في أذهان الناس بشكل إيجابي وكان المستفيد يزهو مفتخرا وهو يعلق اللوحة الخضراء على جدار منزله مدونا فيها اسم الصندوق ورقم القرض، كما كان ينص النظام السابق. واليوم من يصدق أن هذه المؤسسة العريقة ذات السمعة الرائعة أصبحت خصما للمواطن، ينادى بها في المحاكم الإدارية؟ كيف حدث ذلك؟ ومن كان خلف هذا التحول؟ ولماذا تخلى الصندوق عن منهجية الدعم والإعانة لحل أزمة السكن؟ ومن أشار على الصندوق أن يكون مستثمرا على حساب أزمة الإسكان التي يشكو منها الجميع؟ أسئلة كثيرة لا يمكن الإجابة عنها في مقال، لكن ما يعرفه الجميع أن قيادات الصندوق الحالية تتحمل المسؤولية الكبرى في هذا التغيير السلبي، الذي جعل من الصندوق مؤسسة سلبية. لقد طرح الصندوق عشرات الحلول لطرق دعم مختلفة، وأطلق آلاف التصريحات والوعود، وكل يوم نقرأ عن برنامج جديد، فهناك القرض المعجل والمسرع، والقرض بفوائد والقرض الجديد، والقرض القديم، وما لا يحصى من المسميات. لكنها جميعا لم تحقق الهدف وتسببت في عزوف المواطنين عن التفاعل معها لعدم واقعيتها وملاءمتها لأصحاب الطبقة الاجتماعية المتوسطة والصغيرة. ولو سألنا مسؤولي الصندوق العقاري عن نسبة المستفيدين من برامجهم المبتكرة لما تجرأ مسؤول منهم على الاعتراف بالحقيقة التي ترسخ منهجية عدم النجاح. بل سنجد المكابرة والإصرار على السير في الطريق الخطأ ولا أظن هذا يتناسب مع أداء مؤسسة حكومية عريقة كالصندوق. وما زلت أقول للقيادات الحالية للصندوق، التي جاء أغلبها من القطاع الخاص، إن العمل بأسلوب القطاع الخاص والتفكير بمبدأ الربح والخسارة لا يتناسب أبدأ مع مسؤوليتكم تجاه الوطن وأبنائه ممن دفعوا ثمن أخطاء سابقة وأصبح حلم السكن لهم معلقا بكم. ومن باب التذكير، سأنقل لكم ما وثقه الدكتور إبراهيم المنيف - يرحمه الله - في كتابه "50 عاما في الإدارة التنفيذية"، الذي كان مديرا للصندوق العقاري حين طلب من التلفزيون السعودي التنبيه على بعض المواطنين المتأخرين في السداد لمراجعة الصندوق، فاستدعاهم رجل الدولة الراحل الأمير سلطان بن عبدالعزيز - يرحمه الله - وعاتبهم بلطف قائلا "إن هذا التصرف سيحرج المواطنين، ونحن حريصون على ألا تمس كرامة المواطن". أرجوكم تحلوا بالشجاعة وسعة الأفق، اقتربوا من الناس وتخلوا عن هذا التفكير الذي تديرون به الصندوق، فلا يليق بكم أن تكونوا مستثمرين في أزمات المحتاجين.
إنشرها