FINANCIAL TIMES

الأرجنتين .. المشكلة انعدام الثقة بالبيزو وليس نقص الدولارات

أسعار الفائدة وصلت إلى أعلى المستويات عالميا. وصندوق النقد الدولي يقدم أكبر برنامج له عبر التاريخ. وهناك حكومة مؤيدة لقطاع الأعمال مع مجلس وزراء تكنوقراطي يحرص زعماء العالم على تقديم الدعم له. ومع ذلك لا تزال الأرجنتين تعاني حالة ذعر متزايدة في السوق.
في السابق تبنت الأرجنتين العقيدة الاقتصادية السائدة، فقط لتصاب بالارتباك والتشويش من الأسواق المالية. حالة الذعر المتصاعدة هذا الأسبوع، التي جعلت البيزو يهوي ودفعت البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة إلى 60 في المائة، هي فقط آخر مثال، ما دفع كثيرين إلى التساؤل: ما الأمر الذي لم يفهمه الرئيس موريسيو ماكري؟
ثمة إجابة عن هذا السؤال، هي ضعف التواصل. الجولة الأخيرة من اضطرابات السوق تسارعت بعد أن قال ماكري في خطاب بثه عبر "يوتيوب" يوم الأربعاء "إنه طلب من صندوق النقد الدولي تسريع صرف حزمة إنقاذ مقدارها 50 مليار دولار".
كان من المفترض أن يساعد الخطاب على طمأنة شعب الأرجنتين، إلا أن الإعلان المفاجئ تسبب في تخويف الأسواق لأنه لم يكن مصحوبا بأي تفسير فني من جانب فريق ماكري الاقتصادي.
وعدم تقديم صندوق النقد الدولي استجابة فورية أسهم في تعقيد الموقف. فقط بعد مضي تسع ساعات، وبعد إغلاق الأسواق، أكدت كريستين لاجارد، المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي حين قالت "أعلن تأكيد دعمي للجهود التي تبذلها الأرجنتين في مجال السياسة الاقتصادية واستعدادنا لمساندة الحكومة".
هرع المسؤولون في الأرجنتين منذ ذلك الحين إلى محاولة تهدئة أعصاب المستثمرين الذين ساورهم قلق شديد بسبب مزيج من أسعار الفائدة العالية، والدولار القوي، وعدم الاستقرار في تركيا، وتزايد القلق حول الاحتياجات التمويلية للأرجنتين.
ماركوس بينيا، رئيس الوزراء، أصر عبر وسائل الإعلام المحلية يوم الخميس على أن الأرجنتين لا تواجه "فشلا اقتصاديا"، مضيفا أنه "يتوقع تجديد الصفقة المبرمة مع صندوق النقد الدولي في غضون أسابيع قليلة".
وشدد نيكولاس دوجوفني، وزير الاقتصاد، في الوقت نفسه على أن الهدف السابق المفروض من صندوق النقد الدولي للعجز المالي الرئيسي في عام 2019، البالغ 1.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سيصبح الآن "سقفا". والهدف المالي الحالي لهذا العام هو 2.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.9 في المائة لعام 2017.
لكن بعض المحللين يخشون من أن الحكومة لا تقدم سوى مزيد من الحلول التقليدية نفسها، التي أثبتت فشلها حتى الآن. فقد رفعت متطلبات الاحتياطي الذي يجب أن تحتفظ به المصارف، ونشرت استراتيجية لتقليص حجم السندات قصيرة الأجل، وخفضت الإنفاق، وغيرت قيادة البنك المركزي، التي زادت يوم الخميس من أسعار الفائدة 15 نقطة مئوية لتصل إلى مستوى مرتفع عالميا، معلنة أنها ستبقي المستوى كذلك حتى كانون الأول (ديسمبر) على الأقل.
مع ذلك، لا يزال الذعر مستمرا في السوق بسبب وجود مشكلات يقول بعضهم إنها تتجاوز الأساسيات الاقتصادية وتصل إلى السياسة وحتى علم النفس.
قال كريستيان بيوتلر، وهو مختص اقتصادي أرجنتيني "ما من تفسير منطقي لما يحصل الآن"، وطالب السلطات بتفسير هذا الموقف "الخطير" الذي "خرج عن نطاق السيطرة تماما".
ميجيل أسيفيدو، رئيس الاتحاد الصناعي في الأرجنتين، وهو رابطة للشركات، اعتبر أن "هناك مبالغة في رد فعل الأسواق. فهي ليست مشكلة نقص في الدولارات، بل انعدام تام للثقة بقيمة البيزو".
أحد الأسباب لغياب الثقة عن السوق تاريخي. فبعد عقود من الأزمات المالية لم يعد الأرجنتينيون يثقون بعملتهم، وبالتالي يدخرون الدولار.
توقع ميجيل بين، وهو مختص اقتصادي محلي، أن "سعر الدولار سيستمر في الارتفاع"، مشيرا إلى عدم وجود سقف للسعر الذي يمكن للأرجنتينيين بيع الدولار عنده مقابل البيزو.
إضافة إلى ذلك، وبعد فترة قصيرة من إعلان صفقة صندوق النقد الدولي في تموز (يوليو)، قالت الحكومة في عرض تقديمي "إن صافي احتياجاتها التمويلية لعام 2019 يبلغ ثمانية مليارات دولار". لكن كثيرا من مختصي الاقتصاد كانوا متشككين، معتبرين الرقم الحقيقي يقارب 20 مليار دولار.
مع ذلك، حتى هذا الرقم التمويلي ينبغي أن يكون قابلا للتنفيذ، بحسب ماركوس بوسكاجليا، الشريك المؤسس لشركة آلبيردي بارتنرز للاستشارات الاقتصادية، الذي يعتقد أن المخاوف الحالية "زوبعة في فنجان".
يقدر بوسكاجليا إجمالي الاحتياجات التمويلية للعام المقبل بـ 45 مليار دولار، لكن أكثر من 26 مليارا من هذا المبلغ جرى تأمينه منذ الآن، بما في ذلك 11.7 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. وهذا يتسبب في إيجاد فجوة تمويل تصل إلى 19 مليار دولار تقريبا، منها 5.6 مليار دولار مقومة بالعملة الأجنبية، يمكن تغطيتها من خلال ترحيل الديون.
ويقول "هذا يؤكد مدى ضآلة حجم المشكلة، مقارنة بحجم المخاوف في السوق"، ويجادل بأن الفجوة التمويلية صغيرة بالنسبة إلى اقتصاد الأرجنتين الذي تعادل قيمته 545 مليار دولار".
لكن مختصين اقتصاديين آخرين يشعرون بالقلق إزاء قدرة الأرجنتين على ترحيل الديون المحلية واستعادة الصدقية لسياستها النقدية.
في الوقت نفسه، على الرغم من أن الموقف يظل مختلفا تماما عما كان عليه خلال الأزمة الاقتصادية التي حدثت في عام 2001، ستعمل أسعار الفائدة التي وصلت إلى عنان السماء على التعجيل بوصول الركود الذي يلوح في الأفق، في الوقت الذي سيدفع فيه البيزو المتراجع التضخم المرتفع بشكل عنيد إلى نحو 30 في المائة. أحد الجوانب الإيجابية هو أن انخفاض البيزو أكثر من 50 في المائة هذا العام سيعمل على تقليص العجز المالي الحالي الذي يصل إلى نحو 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
بالنسبة إلى الوقت الراهن، بقيت المشكلة الأساسية متمثلة في الافتقار إلى إجراءات متسقة، بحسب ما قال المحللون. حث باسكاجليا الحكومة على تحويل برنامج التمويل الخاص بها إلى الجمهور، وإعادة شراء الديون بالأموال النقدية المتوافرة، وإبرام صفقة مع المعارضة حول ميزانية 2019، وإجراء تعديل وزاري لمنح دوجوفني، وزير الاقتصاد، مزيدا من الصلاحيات، وتحسين الاتصالات مع السوق – وإنجاز كل ذلك "معا وبشكل فوري".
وقال "الحكومة تتخذ الخطوات الصحيحة، لكنها تفعل ذلك خطوة فخطوة، كما لو أنها تخوض حربا وتواجه جيشا قويا، والقائد يرسل كتيبة واحدة في كل مرة".

ما الذي تعانيه الأرجنتين؟

أولا، تقلبات العملة. هذا هو التحدي الاقتصادي المُلِح الذي تواجهه الأرجنتين، ويتبين أن من الصعب إصلاحه. وإلى أن يعود الهدوء إلى أسواق الصرف، سيكون من الصعب حل بقية المشكلات الاقتصادية المترابطة التي تعانيها البلاد. والصعوبات التي تواجهها في ترحيل الديون المحلية لا تساعد على عودة الهدوء، على اعتبار أن كثيرا من المستثمرين يفضلون شراء الدولارات بدلا من ذلك.
ثانيا، العجز المالي الثنائي. كان العجز المالي في الأرجنتين هو أساس الأزمات الاقتصادية المتكررة على مدى نصف القرن الماضي، ما دفع الرئيس ماكري إلى جعل القضاء عليه من أهم الأولويات. لكن العجز المالي ازداد في عهده، ما جعل الأرجنتين ضعيفة في نظر مستثمري الأسواق الناشئة.
ثالثا، الديون الخارجية. على الرغم من أن السيطرة على عبء الديون الذي تعانيه الأرجنتين لا تزال ممكنة، كانت هناك زيادة شديدة في الاقتراض بالدولار أثناء فترة رئاسة ماكري لتمويل العجز في المالية العامة. لكن التغيير المفاجئ في شعور المستثمرين هذا العام أرغم الأرجنتين بدلا من ذلك على السعي للحصول على مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي. في الوقت نفسه، البيزو الأضعف يزيد من تكاليف التمويل للديون الخارجية.
رابعا، التضخم المرتفع. ثبت أن ترويض التضخم أكثر صعوبة بكثير مما كان يرجوه ماكري. ففي الوقت الذي يزداد فيه الوضع تعقيدا بسبب الحاجة إلى رفع الرسوم على شركات المرافق العامة "الماء والكهرباء والغاز" من أجل القضاء على الإعانات المالية التي تلقي بثقلها على عجز الميزانية، يأتي الانخفاض في قيمة العملة هذا العام ليجعل المعركة ضد التضخم أكثر صعوبة.
خامسا، الركود. إلى أن يصبح التضخم تحت السيطرة سيكون من الصعب ضمان نمو اقتصادي دائم. بعد موجة الجفاف السيئة التي أصابت الاقتصاد بالركود هذا العام، يبرز الآن خطر أن يستمر الركود فترة بفضل التقلبات في البيزو. وهذا يمكن أن يؤثر بدوره في احتمالات إعادة انتخاب ماكري العام المقبل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES