FINANCIAL TIMES

بلدان الشمال .. اقتصاد مختلط يمزج «الاشتراكي» بـ «الرأسمالي»

يمكن أن تكون أكثر الظواهر قابلية للتنبؤ هي أكثرها إثارة للدهشة. انظر فقط إلى إحياء "الاشتراكية" باعتبارها فكرة قابلة للحياة سياسيا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
قبل عشر سنوات، كشفت الأزمة العالمية عن فشل الرأسمالية المالية. وهذا أعطى اليسار السياسي فرصة لكسب التأييد لجدول أعماله. غير أن كل حزب من يسار الوسط قائما تقريبا في العالم المتقدم أفسد هذه الفرصة للهيمنة السياسية.
بدلا من العودة، يبدو أننا نحصل على خطوة إلى الوراء. كان السياسيون اليساريون الوحيدون الذين تمكنوا من الازدهار هم الذين يرفضون "الطريق الثالث" من يسار الوسط في التسعينيات. في المملكة المتحدة تولى جيريمي كوربين رئاسة حزب العمال بدعم من عضوية موسعة بشكل هائل. في الولايات المتحدة كانت حملة بيرني ساندرز الاشتراكية تباري حملة هيلاري كلينتون كسب أموال الطبقة المانحة في الانتخابات الأولية عام 2016. في النتائج المحلية الأخيرة، فاز السياسيان المتماثلان في التفكير، ألكساندريا أوكاسيو - كورتيز ورشيدة طليب بترشيحات الحزب الديمقراطي ذات المقاعد الآمنة للكونجرس. تشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو نصف الشباب الأمريكيين يفضلون الآن "الاشتراكية" على "الرأسمالية".
أثار هذا نقاشا حول ما يعنيه الاشتراكيون الجدد بكلمة "الاشتراكية". بحسب إحدى القراءات، هي مجرد صفة طموحة للديمقراطية الاجتماعية الاسكندنافية، مع سياسات مثل الرعاية الصحية الشاملة أو ظروف أفضل للعمال.
لكن بعض مؤيديها الأكثر عمقا يجادلون لمصلحة الاشتراكية لأنها تعارض الرأسمالية. مثلا، يدافع المنظر السياسي، كوري روبن، عن "الاشتراكية" لأنها تجعل العمال أحرارا، بينما تتركهم الرأسمالية بلا حرية. مثل هذه الادعاءات ترينا أن الاشتراكية والرأسمالية هما نظامان متنافران وغير متوافقين.
هذا الاختلاف الدلالي مهم سياسيا. النظرة القائمة على "إما هذا وإما ذاك" كانت منطقية أثناء الحرب الباردة. لكن حتى عندما كان الانقسام الثنائي حقيقيا، كانت بلدان الشمال مصطفة بوضوح على الجانب الرأسمالي من الخط الفاصل. حين تجعل "الاشتراكية" في تعارض مع "الرأسمالية" فإن معنى ذلك أنك ترفض التعلم من تجربة المجتمعات التي ربما تكون اقتربت أكثر من غيرها إلى المثل العليا للاشتراكيين الجدد.
سميت بلدان الشمال الأوروبي "الاقتصادات المختلطة" تحديدا لأنها تجمع بين عناصر الاشتراكية والرأسمالية: ملكية الدولة والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج؛ والأجهزة التنظيمية الحكومية ومنافسة السوق؛ والضرائب التي يعاد توزيعها والأجور التي يحددها أصحاب العمل والموظفون.
إذا تجاهل اشتراكيو اليوم دور الرأسمالية في هذا المزيج، فإنهم يفشلون في اتباع الشخصيات الرئيسية البارزة لديهم. وفيما يلي ثلاثة دروس يجب عليهم الانتباه إليها من أأنموذج بلدان الشمال الأوروبي، سواء كانوا يسمونها "اشتراكية" أم لا.
أولا، هي تحتضن العولمة. لم يكن من قبيل المصادفة أن الأنموذج المختلط في بلدان الشمال ظهر في البلدان ذات التعاملات العالية في التجارة الدولية. الفهم العام أن التجارة تجلب الرخاء، ولكن تقلبات العولمة تضرب بقوة ودون توقع، زاد الدعم لعناصر التأمين في دول الرفاهية الاسكندنافية.
بالتالي إذا كان اسمها هو "الاشتراكية"، فينبغي أن تكون اشتراكية واثقة حيال الانفتاح الاقتصادي. معارضة اليسار الأمريكي لصفقات التجارة الأمريكية تضعف أي ادعاء بالانتماء إلى أأنموذج الشمال. وكذلك فعل إغراء الاشتراكيين البريطانيين من قبل "خروج اليسار" – الحجة اليسارية المزعومة لتجنب القواعد التي تسهل التجارة بين البلدان الأوروبية.
ثانيا، في حين أن المساواة الاقتصادية في بلدان الشمال معروفة جيدا بشكل عام، إلا أن التفاصيل ليست كذلك. لكن التفاصيل مهمة. الإنجاز الذي حققه أنموذج بلدان الشمال هو شيء محدد للغاية: توزيع مضغوط للغاية لأجور السوق (قبل الضرائب والتحويلات). بالمقارنة، توزيع الثروة والدخل الرأسمالي، ودرجة مساواة الدخل من خلال السياسة، أمران عاديان. نجحت بلدان الشمال ليس بسبب إعادة التوزيع إلى الحد الأقصى، ولكن بسبب هندسة اقتصاد لا يحتاج إلى إثقال كاهل قوة إعادة التوزيع في الدولة.
هذا يؤدي إلى الدرس الثالث. جانب كبير من نجاح أنموذج بلدان الشمال الأوروبي ليس مصدره التدخل المباشر للدولة، وإنما التفاعل المتوازن بين المنظمات الاجتماعية، ولا سيما في سوق العمل. المعجبون بذلك يقدرون دور النقابات في اقتصادات بلدان الشمال. فهم أقل إدراكا للأهمية المتساوية لاتحادات أصحاب العمل المتماسكة.
رؤية ضيقة الأفق تضع العمال في خندق ضد الرؤساء في العالم تشير إلى أن أي شيء يجعل أصحاب رؤوس الأموال أفضل تنظيما لا بد أن يضر بمصالح العمال. تجربة بلدان الشمال تظهر أن العكس هو الصحيح. التنظيم المتناسق يشجع أرباب العمل على إدراك كيف أن ما يبدو وكأنه عبء على شركة فردية يفيد الأعمال ككل.
في البلدان الاسكندنافية، كان هيكل الأجور المضغوطة جيدا للإنتاجية. إذا كان من المكلف استخدام العمالة بصورة غير منتجة، وإذا كانت العمالة عالية المهارة رخيصة نسبيا، فإن الشركات تعجل الاستثمار وتتبنى التكنولوجيا الجديدة بسرعة. وبالمثل، يساعد قطاع العمل المنظم العاملين والشركات والحكومة على التكيف في مواجهة حالات التعطيل التكنولوجي. إذا كانت هذه هي الاشتراكية، فهي اشتراكية تصلح لشكل أكثر مرونة من الرأسمالية.
وعليه فإن بلدان الشمال تثبت صحة الفكرة المتبصرة لدى الوسطيين الليبراليين في فترة ما بين الحربين العالميتين: وهي أن التدخل الحكومي الحكيم جيد للرأسمالية، ويجعل الرأسمالية جيدة بالنسبة للعمال. الوسطية التقدمية ربما تكون قد أكسبت نفسها سمعة سيئة في الفترة المؤدية إلى الأزمة وفي أعقابها. لكن إذا رفضها الاشتراكيون من باب التمسك بالصفاء الفكري الاشتراكي، فسوف يجدون أن أهدافهم هم بالذات محبطة كذلك.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES