FINANCIAL TIMES

باول يضع «الاحتياطي الفيدرالي» على مسار بالغ التعقيد

إذا كان هناك مكان جيد على الإطلاق لالتقاط نفس عميق وفهم السياق في عالمنا المعقد دون داع، سيكون في قاعة جاكسون هول، ضمن ولاية وايومنج.
الطبيعة في ذلك المكان ألهمت بعضا من أعظم صور أنسل آدمز. لذا، فإنه أمر جيد لصحة مسؤولي البنوك المركزية، وبالتالي بالنسبة للاقتصاد العالمي ككل، أن يكون هو المكان الذي يلتقي فيه الاقتصاديون لمناقشة مشاكل العالم في نهاية الصيف كل عام.
الأعمال المصرفية المركزية تنطوي دائما على الضغط والمعضلات. يجب على مسؤولي البنوك المركزية اختيار كلماتهم وهم يعلمون أنه سيتم تفحصها بمنتهى الدقة.
وهذا يعني بدوره أننا يجب أن نأخذ على محمل الجد رد فعل أسواق المال على الخطاب الذي ألقاه يوم الجمعة الماضي جاي باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي حل الآن عامه الأول على رأس "البنك المركزي الأمريكي".
في الوقت الذي أخذت فيه كلماته ترشح من "جراند تيتونز" إلى أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالمتداولين، ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 إلى مستوى قياسي جديد على مدار اليوم.
واستوى منحنى العائدات مرة أخرى على الرغم من ذلك. انخفض فائض العائدات بين سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات والسندات لأجل سنتين إلى أقل من 0.2 في المائة للمرة الأولى منذ عام 2007، قبل الأزمة المالية.
وانخفض الدولار مقابل معظم نظرائه من العملات، في حين ارتفعت عملات الأسواق الناشئة بنسبة 1 في المائة خلال أقل من 24 ساعة، وذلك وفقا لمؤشر عملات الأسواق الناشئة من بنك جيه بي مورجان.
مع ذلك، ظلت العملات الناشئة منخفضة بنسبة 4.6 في المائة منذ بداية هذا الشهر، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى الأزمة في تركيا، لكن هذا كان بمنزلة تنفيس لا يستهان به للضغط.
على عكس كثير من أسلافه في المجلس، يستخدم باول لغة واضحة ومباشرة، مستخدما استعارات لا تنسى للتعبير عن أفكاره.
بيد أنه مثل أسلافه، كان لا يزال من الضروري تحليل أقواله بالتفصيل لمعرفة السبب الذي جعل المستثمرين يعتقدون أنها ذات أهمية كبيرة. أنت أيضا بحاجة إلى فهم ما أصبح سياقا معقدا للغاية.
منذ وقت ليس ببعيد، بدا أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لديه مسار واضح للسنة المقبلة، أو نحو ذلك. كان يعتزم زيادة أسعار الفائدة مرة أخرى، في أيلول (سبتمبر) المقبل ومرة أخرى في كانون الأول (ديسمبر) المقبل، وزيادة أسعار الفائدة بضع مرات أخرى في العام المقبل، ويستمر فيما يسمى "التشديد الكمي" – التراجع المطرد عن إجراءات الأزمة السابقة عن طريق البيع البطيء للأصول التي كان قد اشتراها واحتفظ بها في ميزانيته العمومية. الآن يبدأ مسار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في أن يبدو محفوفا بالتعقيدات.
السياسة الأمريكية الفوضوية هي جزء من هذا. دراما إدانة وعزل ترمب، التي تبدو فجأة معقولة أكثر بكثير مما كانت عليه قبل أسبوع، من شأنها أن تزيد من حالة اللبس، وبالتالي تجعل من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة.
وقد قال الرئيس نفسه هذا الأسبوع إنه "لا يشعر ببهجة كبيرة" بسبب أسعار الفائدة المرتفعة، حيث إنها رفعت سعر الدولار، وتصرفت بشكل معاكس لسياسته التجارية.
على أن الانخفاض في عملات الأسواق الناشئة مهم أكثر. ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية يجذب الأموال إلى الولايات المتحدة، ويدفع إلى الأدنى بقيمة العملات الناشئة ويزيد من مخاطر حدوث أزمة في الأسواق الناشئة.
لدى الأصول في الأسواق الناشئة علاقة عكسية طويلة الأمد بالدولار "هي تنخفض عندما يرتفع الدولار". الدولار القوي يصعب عملية تسديد الديون المقومة بالدولار.
التحركات في منحنى العائدات، في الوقت الذي يظل فيه المستثمرون مقتنعين بحدوث زيادات وشيكة في أسعار الفائدة، تتزامن أيضا مع صب المال في سندات الخزانة طويلة الأجل، هي أكثر أهمية.
يشير منحنى العائد المقلوب، الذي تكون فيه عوائد السندات قصيرة الأجل أعلى من عوائد السندات الأطول أجلا، إلى حدوث ركود في المستقبل.
المنحنى المستوي يعني انعدام الحماسة بشأن التوقعات الاقتصادية "وبالتالي لا تحتاج أسعار الفائدة إلى الارتفاع في المستقبل"، والخوف من أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في وقت قريب، ثم يضطر إلى الكف عن ذلك.
علاوة على ذلك، فإن الدليل على الحاجة إلى أسعار فائدة أعلى لمكافحة التضخم يتراجع في الوقت الحاضر. ارتفعت التوقعات الضمنية لسوق السندات بشأن التضخم على مدى السنوات العشر المقبلة من 1.2 في المائة في أوائل عام 2016 إلى 2.2 في المائة في وقت سابق من هذا العام – لكنها استقرت منذ ذلك الحين على مقربة من 2.1 في المائة، أي بالكاد فوق الرقم المستهدف من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.
أخيرا، بدأت البيانات الاقتصادية الأمريكية في تخييب الآمال، على الأقل مقارنة بالتوقعات المعقولة منذ بضعة أشهر. تظهر مؤشرات المفاجأة الاقتصادية في حي المال سيتي، التي تقيس كيفية مقارنة البيانات بالتوقعات، أن الولايات المتحدة في المنطقة السلبية، وتحت منطقة اليورو.
في مواجهة كل هذا، قال باول عن عمد إنه يتجنب جميع المسائل السياسية والخارجية، معترفا أن هذه عوامل خطر يمكن أن "تتطلب استجابة مختلفة في السياسة النقدية، لكني سأتراجع عنها اليوم".
كان من الممكن أن يعطي إشارة واضحة بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بحاجة إلى التشديد، ولم يفعل. وقال: "لم نشهد أي علامة واضحة على تسارع أعلى من 2 في المائة" في التضخم، و"لا يبدو أن هناك مخاطر مرتفعة من حيث تسارع النشاط الاقتصادي".
لذلك، لا توجد استماتة من أجل التشديد. كانت توقعاته لتشديد السياسة النقدية في المستقبل مشروطة تماما. قال: "إذا استمر النمو ’القوي‘ في الدخل والوظائف، فمن ’المرجح‘ أنه سيكون من المناسب إدخال زيادات ’تدريجية‘ في (النسبة المستهدفة)".
وقد استخدم خطابات سابقة ليقول إن تأثير السياسة النقدية الأمريكية وراء الشواطئ الأمريكية مبالغ فيه. التغيير في النغمة أمر مهم. والتوقعات لعام 2019 مفتوحة على مصراعيها. إذا رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة مرتين أخريين هذا العام، فإن السوق تضع احتمال زيادتها حتى مرة أخرى في العام المقبل بنسبة 60 في المائة، لا غير.
الدليل الواضح على التضخم من شأنه أن يغير الأمور مرة أخرى، لكن الرياح الآتية من وايومنج تشير إلى نمو واهن وأسعار فائدة منخفضة، حيث يظل من الممكن أن تزدهر الأسهم، حتى عند تقييمات مرتفعة بعد سوق صاعدة طال عليها الأمد.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES