صندوق النقد ومسار السعودية الخاص بالإصلاحات

|

الأمر المؤكد والمعلوم لدى الأغلبية؛ أن الإصلاحات الاقتصادية الراهنة، التي بدأت الحكومة في العمل عليها قبل منتصف 2016، جاءت وليدة رؤية محلية، ولم تأت كحلول معلبة أو إملاءات من خارج البيئة المحلية، لا من صندوق النقد الدولي ولا من أي جهة أخرى، حتى إن استعان عديد من الأجهزة الحكومية بمكاتب استشارية عالمية في البداية، شهدنا لاحقا إدخال كثير من التعديلات والمراجعات على برامجها التنفيذية، ولا تزال إجراءات التطوير والتحسين قائمة حتى تاريخه، وستستمر تلك الإجراءات مستقبلا حسبما تقتضيه التطورات والظروف المحلية.
الأمر المؤكد الآخر؛ أن القرار النهائي تجاه أي من خيارات الإصلاح وسياسات التطوير والتحسين، كان وما زال في يد صانع القرار المحلي، ولهذا شهد تقريرا مشاورات المادة الرابعة الصادران عن صندوق النقد الدولي خلال العامين الأخيرين، اختلافا واضحا في توصياتهما وآرائهما تجاه الإصلاحات الراهنة، تضمنت تأييدهما وإشادتهما الكاملين لكثير من تلك الإصلاحات، وفي مواقع محدودة جدا تصريحهما ببعض التوصيات الداعية إلى تخفيف وتيرة الإصلاحات، لعل من أبرزها ما يتعلق بالعمالة الوافدة، ما يعكس الاهتمام الأكبر بالدول المصدرة لتلك العمالة الوافدة على حساب العمالة الوطنية في الاقتصاد الوطني للمملكة، وهو الجانب الذي لن يجد بكل تأكيد استجابة تذكر، قياسا على الأهمية القصوى محليا لتجاوز معدلات البطالة المرتفعة بين صفوف المواطنين والمواطنات، وهو التحدي التنموي الجسيم الذي اعترف به صراحة صندوق النقد الدولي في تقاريره السابقة، إلا أنه كما ظهر من تعامل مستشاريه؛ أخذوا في اعتبارهم أولا مصلحة الدول المصدرة للعمالة الوافدة لدينا، الذي قابله محليا عكس تلك الرؤية تماما، وهو الخيار الذي سيمضي العمل به بغض النظر عن آراء الصندوق في هذا الشأن تحديدا.
كما أظهر الصندوق اهتماما أكبر، بضرورة رفع قدرة أحزمة الضمان والدعم للمجتمع والقطاع الخاص، للتخفيف من الآثار العكسية المحتملة لسياسات الإصلاح والتطوير، وهو الجانب غير الممكن الإلمام به أو حتى توقعه بالدرجة الكافية، ويظل رهينا للمتابعة والمراقبة اللصيقة من جانب الأجهزة الحكومية محليا، وهو الجانب المهم بكل تأكيد هنا، الذي سيؤدي نجاحه إلى حماية مشروع الإصلاح الكلي الجاري العمل على تنفيذه الآن ومستقبلا. في الوقت ذاته؛ لم يول صندوق النقد الدولي الاهتمام الكافي أسوة بما ركز عليه في تقاريره الأخيرة، تجاه أزمة تملك المساكن لدى المواطنين، التي تعد أحد أكبر التحديات التنموية المحلية، ولعل الاطلاع على التقرير الآخر "تقرير القضايا المختارة في إطار مشاورات المادة الرابعة"، يؤكد صحة هذا الرأي تجاه اهتمام صندوق النقد الدولي، الذي خلا تماما من أي تعليق أو توصية تتعلق بأزمة تملك المساكن محليا، في الوقت ذاته الذي ذهب إلى "ضمان تكافؤ الفرص بين العمالة السعودية والوافدة في المجالات التي يرجح أن يعمل بها سعوديون"!
ما يجب التأكيد عليه بعد كل ما تقدم ذكره؛ أن "رؤية المملكة 2030" وجميع ما يرتبط بها من برامج تنفيذية، تستهدف تحقيق الأهداف النهائية لـ"الرؤية"، كما أنها نشأت من معامل محلية بحتة، ارتأت تجاوز التحديات التنموية المحلية، والعمل على الاستفادة القصوى من الإمكانات والموارد المحلية، وتوظيفها فيما يحقق المصلحة الكبرى للاقتصاد الوطني والمجتمع السعودي، دون إغفال الشراكة الدولية والاقتصادية والتجارية مع دول العالم، وفق توازنات محددة تأخذ في الاعتبار استقرار وتعزيز العلاقات مع الخارج، دون أن يأتي ذلك على حساب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الداخلي. تؤكد الوقائع الراهنة وفق ما تقدم؛ أن مسار إجراءات الإصلاح والتطوير ماض قطاره ولن يتوقف، بمشيئة الله تعالى، سيتم الاعتماد فيها - بعد الله جلت قدرته - على الكفاءات والخبرات من الموارد الوطنية ذات الأهلية اللازمة، وعلى التجربة الزمنية الطويلة الممتدة لنحو نصف قرن مضى، فما قد تراه عين الخبير من الخارج مهما وذا أولوية من وجهة نظره، ويغفل في الوقت ذاته تحديات تنموية جسيمة محليا، ستقابله بكل تأكيد نظرة وطنية ومحلية مختلفة تماما عن رؤية الخارج، نظرة تعد أكثر قربا من الشأن المحلي للاقتصاد والمجتمع، وستكون الرؤية المحلية هي الأعلى ترشيحا للأخذ بها والعمل في ضوئها.
وليس الحديث هنا للمقارنة فقط بين رؤية الصندوق والرؤية المحلية، ولا الحديث عن خطأ أو صحة رأي أي طرف كان من الأطراف، بقدر ما أنه تأكيد بالغ الأهمية على أن المملكة تقف على أرض مستقلة تماما، ولا تخضع في شؤون عمليات الإصلاح الواسع النطاق لاقتصادها الوطني لأي إملاءات من أي جهة كانت، إنما انطلقت وتنطلق في مساعيها تلك بناء على ما تقدم ذكره أعلاه، وفقا لما تمتلكه من ثروات وإمكانات حباها الله بها، ووفق ثقلها الدولي، وحسبما يقتضي تحقيقها لمصالحها المشتركة مع شركائها كافة حول العالم. والله ولي التوفيق.

إنشرها