FINANCIAL TIMES

إيران .. الغضب من فساد النخبة يزداد مع لسع العقوبات

تركت أزمة العملة في إيران المواطنين العاديين يعانون تكاليف معيشة مرتفعة، لكن المدعين العامين يزعمون أن رجال الأعمال الفاسدين جعلوا من هذه الأزمة فرصة لتوليد المال.
في إحدى الحالات تم استخدام اسم شخص متوفى لاستيراد 10500 هاتف محمول باستخدام عملة أجنبية صادرة بسعر صرف رسمي تفضيلي في إيران. وفي حالة أخرى كان هناك عامل غير ماهر يُعتقد أنه يُدار من قبل شخص آخر، تمكّن من شراء 38 ألف عملة معدنية ذهبية من البنك المركزي بأسعار أقل من السوق.
من المرجح أن تُذاع هاتان الحالتان من قبل المدعين العامين في طهران عند محاكمة عشرات من رجال الأعمال بتهمة "تخريب الاقتصاد". بدأت الحالات الأولى يوم الأحد عندما مَثُل ثلاثة من مستوردي الهواتف المحمولة أمام المحكمة. جلسات الاستماع هذه هي الأولى من نوعها التي سُمح ببثها في برامج إذاعية شهيرة على التلفزيون الحكومي منذ نحو عقدين من الزمن. ويعكس بروزها رغبة النظام في إظهار أنه يتصدى للكسب غير المشروع مع تزايد غضب الرأي العام بسبب ما يعتقده كثير من الإيرانيين أنه فساد مستشرٍ بين قادتهم ونخبة رجال الأعمال.
رجال الأعمال الذين لم يتم تحديد هوياتهم علناً بعد، متهمون باستغلال انخفاض سعر الريال ونقص العملات الأجنبية من خلال عمليات احتيال تتضمن تجارة العملات الأجنبية واستيراد السيارات والهواتف المحمولة.
الرئيس حسن روحاني، جعل القضاء على الكسب غير المشروع من أهم تعهداته الرئيسية عندما شن حملة لإعادة انتخابه العام الماضي. ويقول محللون "إنه حقق بعض التقدم، حتى في محاولته التصدي للفساد داخل الإمبراطورية التجارية التي يسيطر عليها الحرس الثوري، وهو قوة كبيرة في معسكر النظام المتشدد".
لكن بعد انسحاب الرئيس دونالد ترمب في أيار (مايو) من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع القوى العالمية، وإعادة فرض العقوبات على طهران، أدى الضغط الجديد على مصادر التمويل إلى مزيد من قضايا الفساد.
ويخشى كثير من الإيرانيين أن يكون رجال الأعمال ذوو الصلات السياسية قد استفادوا من الأزمة لإثراء أنفسهم.
وأفضت حالة من الاستياء العام هذا الشهر إلى حملة شعبية ضد الفساد على وسائل الإعلام الاجتماعية، أدت إلى زيادة التدقيق في حياة أبناء النخبة الحاكمة، حيث يشك كثيرون في أنهم يستغلون مراكزهم المتميزة لتجميع ثروة هائلة.
وأثارت حملة بعنوان "أين ابنك؟" ردود فعل سريعة من عدد من كبار المسؤولين، في دلالة واضحة على شعور بعض الساسة في البلاد بالغضب المتزايد بين الإيرانيين.
لكن يرى بعض الإيرانيين أن التأثير الأوسع للمحاكمات من المرجح أن يكون محدودًا لأن الفساد متفشٍ.
يقول حسين راغفار، وهو مختص اقتصادي "لا يوجد جزء من نظام الحكم محصن من الفساد الذي لوث جميع القطاعات، من السلطة القضائية إلى البرلمان والحكومة أيضاً". ويضيف "لا يمكن أن تنجح محاربة الفساد في ظل الظروف الحالية، إلا أن الغضب العام يضع ضغوطاً لا يمكن تجنبها على صناع القرار السياسي للتعامل معه".
ويتضمن عديد من حالات الكسب غير المشروع الأخيرة عمليات احتيال مزعومة تتعلق بتدابير حكومية لتقييد تخصيص العملة الأجنبية وتحقيق الاستقرار في الريال. وهذا يعني أنه ينبغي للمستوردين أن يتقدموا بطلب إلى البنك المركزي للوصول إلى اليورو إذا كانوا يريدون استيراد السلع، مع افتراض أن تُعطَى الأولوية لقطاعات مثل الأغذية والأدوية.
وسعى البنك المركزي للحفاظ على سعر صرف العملة عند مستوى 42 ألف ريال للدولار، بينما انخفض في السوق المفتوحة نحو 60 في المائة هذا العام. وهذا يعني أن المستوردين الذين يحصلون على اليورو بسعر الصرف الرسمي يمكن أن يحققوا أرباحاً ضخمة من خلال بيع السلع المستوردة بسعر غير رسمي في السوق المحلية.
كذلك باع البنك المركزي مليارات الدولارات من العملات الذهبية في محاولة لكبح ارتفاع الأسعار، في الوقت الذي أقبل فيه الإيرانيون على شراء المعدن النفيس وهم في حالة هلع. وكان قرار بيع العملات الذهبية مثيرا للجدل، وقال محللون "إنه يفسر بشكل جزئي إقالة محافظ البنك المركزي في الشهر الماضي".
ولم تفعل التدابير التي اتخذتها الحكومة الكثير لتخفيف معاناة الإيرانيين العاديين اليومية. وبدلاً من ذلك، اندمجت المظالم الاقتصادية مع شكاوى الفساد لتغذي موجة من احتجاجات الشوارع في أنحاء إيران خلال الأشهر الثمانية الماضية، التي اتخذ كثير منها موقفاً مناهضاً للنظام.
وبالنسبة إلى بعض الإيرانيين، عززت الفضائح فكرة أن العقوبات قد تضر الناس العاديين لكن ليس النخبة. قال عهد، وهو عامل في مصنع زجاج خارج طهران "يقول المسؤولون إن العقوبات ليس لها أي تأثير في الاقتصاد. فهم لا يشعرون بالتأثير لأن أبناءهم يعيشون في الخارج ورواتبهم فلكية". وأضاف "لم تعد حياتنا تدور حتى حول الأساسيات. لكن حياتهم مترفة".
آية الله علي خامنئي، القائد الأعلى، الذي هو في أمسّ الحاجة لأن يُظهر النظام موقفا موحدا في الوقت الذي تشتد فيه الضغوط الأمريكية، دعا في خطاباته الأخيرة السطات القضائية لمعالجة الفساد. إلا أن المخاوف من الكسب غير المشروع تفاقمت في الوقت الذي استخدمت فيه الفصائل المتنافسة داخل النظام مزاعم الفساد لمهاجمة بعضهم بعضا.
يقول أحد المحللين الإصلاحيين "يبدو أن الصراع على السلطة محتدم للغاية لدرجة أصبح معها الهدف من مكافحة الفساد هو القضاء على بعضهم بعضا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES