نظام سرق شعبه لتمويل أوهامه

|

"وجود قدر أكبر من الأموال في أيدي نظام الملالي، يعني تعزيز الاغتيالات في أوروبا"
بريان هوك، الممثل الأمريكي الخاص لإيران

لا يزال الاتحاد الأوروبي يلعب في الساحة الضيقة له، على صعيد علاقاته مع النظام الإرهابي في إيران. ولا شك أن العلاقة غير الطيبة حاليا بين هذا الاتحاد والإدارة الأمريكية، تسهم في "تمرد" الحكومات الأوروبية حيال العلاقات مع طهران. لكن المسألة ليست بهذه السهولة، خصوصا عندما يحين موعد الحساب الحقيقي. ويبدو واضحا أن الأوروبيين لا يزالون يراهنون على تغييرات ما قد تحدث على الساحة الأمريكية، ويحاولون اللعب ضمن هذا النطاق، كما أنهم يجهدون أنفسهم بتبريرات بائسة بلهاء. وهي تبريرات استهلكت منذ عقود، مثل لا بد من قنوات اتصال مع النظام في إيران، ومن الضروري أن نحافظ على الشريحة المعتدلة في هذا البلد، وأن القطيعة تعني تخصيبا فوريا نوويا ستقوم به السلطات في طهران.
كل هذا لا معنى له. كما أنه استهلك بما يكفي لدفنه نهائيا. وهذه التبريرات وغيرها لم تجعل شركة واحدة أوروبية تبقى في إيران، ولم تشجع شركة واحدة على دخول السوق الإيرانية، ولم تطمئن مصرفا أوروبيا واحدا. فهذه المؤسسات الكبرى تعرف تماما مدى هلامية الموقف الحكومي الأوروبي من نظام علي خامنئي، وهي على دراية أن هذا الموقف سيصطدم بقوة مع الموقف الأمريكي عندما يحين الوقت. بل إن النظام الإيراني نفسه لم يعد يهتم بموقف أوروبا "اللطيف" تجاهه، ويتعاطى معه كحالة صوتية قد تكون مفيدة إعلاميا، إلا أن فائدتها تنتهي بلمح البصر. وسمعنا كثيرا تصريحات مسؤولين لدى خامنئي تتحدث في هذا الإطار. وهناك من قال رسميا "إن الموقف الأوروبي بلا قيمة حقيقية لنا".
شركات أوروبا ومؤسساتها الكبرى، كانت أكثر واقعية من حكوماتها. وفضلت التضحية بالمكاسب المالية التي ستجنيها مع السوق الإيرانية، من أجل الحفاظ على الرضا الأمريكي عنها. والسبب واضح بالطبع، الخسائر من غضب واشنطن أكبر من أي مكاسب توفرها إيران كلها. وأخيرا أعلنت شركة توتال الفرنسية العملاقة إنهاء كل وجودها في إيران، رغم كل محاولات الحكومة الفرنسية إطالة أمد هذا البقاء. وسبقت هذه الخطوات خطوات مماثلة من مؤسسات ومصارف ذات أسماء رنانة عالميا. والحقيقة لم يبق اليوم على الساحة الإيرانية أي من الشركات الغربية، بما فيها المتوسطة والصغيرة. وكل هذا ليس اعتراضا على استراتيجية نظام خامنئي الإرهابية التخريبية، بل خوف من واشنطن ومؤسساتها الحكومية والقضائية. الكل يعرف فداحة العقوبات والغرامات المتوقعة جراء استمرار التعامل مع إيران، لقد حدث هذا في السابق وسيحدث مستقبلا بصورة أكبر.
رغم كل هذه الحقائق، أقدمت المفوضية الأوروبية على إقرار سلسلة تدابير لمساعدة النظام الإيراني! صحيح أنها لا تزيد في حدها الأقصى على 50 مليون يورو، إلا أن دلالاتها عالية، وتبعاتها خطيرة. مرة أخرى استخدم الأوروبيون تبريرات ساذجة في هذه التدابير مثل "المساعدة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى"! هم يعرفون أن التحدي الأكبر لكل شيء في إيران والمنطقة والعالم هو استراتيجية النظام الحاكم التخريبية. وأنه لولا نظام إرهابي كهذا، لما احتاجت إيران أي مساعدة مهما كان حجمها. هم يعلمون أن أموال الشعب الإيراني، تذهب مباشرة إلى تمويل الشر هنا وهناك. وهذا لا يتم اليوم، بل إنه يعود لأربعة عقود من الزمن، يعود إلى وصول هذا النظام إلى الحكم. نظام سرق شعبه لتمويل أوهامه.
لا يريد الأوروبيون الحديث عن هذه الحقيقة، ولا يرغبون في المساهمة في كبح جماح نظام إرهابي من أجل مصلحة الإيرانيين أولا، وبعدها المصلحتين الإقليمية والعالمية. واشنطن قالت علنا "إن الاتحاد الأوروبي يرسل رسالة خاطئة في الوقت غير المناسب". وهذا في الواقع أكثر الكلام الأمريكي لطفا بهذا الصدد. لكن الأيام الآتية ليست كتلك الماضية، مع العقوبات الأمريكية الجديدة على طهران لتصل إلى الأعنف في التاريخ الحديث، بما في ذلك منع خامنئي وعصاباته من تصدير النفط، وقطع كل الطرق للوصول إلى أي مؤسسة مالية. إنها حاسمة ماحقة، إنها أداة أخرى جديدة للضغط على نظام يعيش أوهاما، ويبني لها كل الحصون الممكنة! لن تنفع الـ 50 مليون يورو الأوروبية، تماما مثل تبريرات الأوروبيين السخيفة.
حلم الاتحاد الأوروبي بتعطيل الامتثال للعقوبات الأمريكية على شركاته ومؤسساته التي تبقى في إيران، ذهب أدراج الرياح، لماذا؟ لأن الشركات نفسها انسحبت دون أن تنتظر حتى مشاورات حكوماتها مع واشنطن بهذا الخصوص. العناد الأوروبي لن يدوم طويلا، ولا سيما مع إصرار الولايات المتحدة على امتثال العالم بالعقوبات الجديدة. سيظل الأوروبيون يعملون في الوقت القصير المتاح لهم من أجل رفد نظام إرهابي ببعض شرايين الحياة. إلا أن الحراك الشعبي الإيراني ضده ماض في طريقه بأشكال مختلفة لقطع كل الشرايين المتاحة.

إنشرها