FINANCIAL TIMES

حافلة جيمي دايمون .. هيا اركب وقل ما لديك

هذا الصيف كان جيمي دايمون، رئيس "جيه بي مورجان تشيس"، يجول عبر المناطق الداخلية في الولايات المتحدة مستخدما حافلة. نعم، ما قرأته صحيح. ففي حين إن دايمون يمكنه التجول عادة مستخدما طائرة خاصة، إلا أنه أمضى جزءا من تموز (يوليو) مع كبار المديرين في حافلة طافت بهم الساحل الغربي وجبال الروكي للاستماع إلى الزبائن والموظفين في مواقعهم.
قال لي دايمون في اجتماع عقد في معهد آسبِن في كولورادو، خلال فترة استراحة قصيرة أثناء رحلته "أردنا اتباع مسار مختلف – الذهاب إلى مراكز الاتصال، ومراكز التشغيل، وزيارة قاعات المدينة والتحدث إلى الصرافين، ومسؤولي الإقراض، ومديري الفروع، الجميع. لذلك أحضرنا الموظفين المحليين ليركبوا معنا هذه الحافلة وقدمنا لهم الجعة – والحصانة – لنستمع إلى ما يودون قوله. ومن ثم، تحدثنا إلى الزبائن أيضا".
وأضاف "لا يمكنك أن تدير الشركة وأنت على متن طائرة الشركة. عليك أن تفعل أمرا كهذا، أن تنزل إلى الشارع لتستمع لما يقوله الناس. لذلك اخترنا الحافلة".
الآن، أجرؤ على القول إن بعض قراء "فاينانشيال تايمز" قد يهزأون بهذا الأمر، تماما كما استهان بعض المراقبين عندما أعلن مارك زوكربيرج، مؤسس "فيسبوك"، العام الماضي أنه سيبدأ في رحلة "استماع" لأمريكا. وبالطبع، لا يمكنني إخباركم كم هي حقيقية رحلة الاستماع التي يجريها "جيه بي مورجان"، على اعتبار أنني لم أحظ بفرصة لمشاهدة ما يحصل حقا بعد أن شرب الجميع "جعة الحصانة" وهم على متن الحافلة.
كان دايمون يستخدم من حين إلى آخر تلك الحافلة لإجراء جولة على مكاتبه الإقليمية، من أدنى المستويات إلى أعلاها، منذ نحو عقد تقريبا – لكن هذه هي السنة الأولى التي حول فيها هذه الجولة إلى مثل هذه الرحلة الموسعة. ويصر على أن رحلاته أسفرت عن التوصل إلى رؤى حقيقية: الشهر الماضي، اكتشف على ما يبدو أن الموظفين يحبون فكرة إطلاق موقع إلكتروني خاص بـ "جيه بي مورجان" بلغة الماندرين للعملاء الناطقين باللغة الصينية، لكنهم يشعرون بالارتياع من احتمال إلغاء الوظائف ذات الأجور المنخفضة، لأنها غالبا ما تكون مناصب أولية مهمة بالنسبة إلى أشخاص يأتون من أسر منخفضة الدخل. مهما كان رأيك في رحلة الحافلة، إلا أنها تسلط الضوء أيضا على سؤال أكبر بكثير يخيم على هياكل السلطة اليوم: هل باستطاعة الرؤساء التنفيذيين المتربعين على القمة العثور على طريقة للخروج من الجناح التنفيذي ومحاولة النظر إلى الحياة من منظور مختلف تماما؟ وإن كان بإمكانهم ذلك، ما الأساليب التي يمكنهم – أو ينبغي لهم – استخدامها؟
الحاجة إلى فعل ذلك باتت ملحة في هذه الأوقات المتناقضة. إلى حد ما عملت شبكة الإنترنت على إيجاد انطباع بأننا جميعا على اتصال مستمر ببعضنا بعضا، وأن لدينا طرقا جديدة للنظر في حياة بعضنا بعضا. لكن الروابط الرقمية لم تنقذنا من إحساسنا بالتفكك الاجتماعي والذهني: عدم المساواة الاقتصادية منتشر، والنزعة القبلية السياسية والاجتماعية آخذة في الازدياد.
يشير التاريخ الحديث أيضا إلى أن هناك عددا قليلا للغاية من الرؤساء التنفيذيين أو قادة الشركات الذين لديهم مهارات تمكنهم من الفهم الصحيح للطريقة التي يمكن أن يتصورهم الآخرون بها – أو التعاطف مع وجهة نظر مختلفة.
السبب في ذلك جزئيا هو أن الأمر يتطلب قدرا هائلا من الوقت والصبر لرؤية العالم من خلال عيون الآخرين، أو تحديد ما يفوتك عندما تتحدث فقط إلى أشخاص في أجندة معدة مسبقا. يطمح كل من علماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس إلى تطبيق ذلك من خلال المراقبة الصبورة والاستماع إلى الناس لساعات، إن لم يكن لسنوات، لكن نادرا ما يكون لدى الرؤساء التنفيذيين الوقت الكافي في حياتهم لفعل ذلك. بالقدر نفسه، يرتقي معظم قادة الشركات عبر المناصب والمراتب تحديدا بسبب قدرتهم على إظهار تركيز يقارب الهوس على الأهداف ذات المجال الضيق والثقة الفائقة بقدراتهم هم أنفسهم. هذه ليست مجموعة مهارات من النوع الذي يشجع الناس على الاستماع إلى وجهات نظر بديلة.
غير أن عدم وجود رؤية جانبية يأتي مقابل ثمن – ولا سيما في عالم تقدم فيه التكنولوجيا للمساهمين والعملاء والموظفين والسياسيين القدرة على تنظيم احتجاجات بسرعة البرق. مثلا، فكر فقط في مدى سرعة انتشار حركة "وأنا أيضا" #MeToo – أو الطبيعة سريعة الانتشار للاحتجاجات التي كان سببها طرد بعض الزبائن السود من مقاهي ستاربكس، أو كيف كان ذهول الرؤساء التنفيذيين في وول ستريت من رد الفعل السياسي العنيف بعد الأزمة المالية التي اشتعلت خلال العقد الماضي.
بالمثل، تعرضت شركات التكنولوجيا لموقف محرج أيضا بسبب الغضب العام الذي اشتعل بشأن خصوصية البيانات. وفي الآونة الأخيرة، فوجئ قادة "أمازون" عندما فرضت مدينتهم، سياتل، دون سابق إنذار في وقت سابق من هذا العام، ضريبة جديدة على الشركات مرتفعة الإيرادات للمساعدة في التصدي لقضية التشرد. على الرغم من أن مجلس المدينة ألغى الرسوم في وقت لاحق، عقب ضغوط من "أمازون" وغيرها من الشركات، إلا أن الأمر الأكثر دهشة هو أن المسؤولين التنفيذيين أمثال جيف بيزوس، لم يكونوا ـ وهذا أمر يثير الذهول ـ يولون اهتماما يذكر للهياكل السياسية المحلية قبل اندلاع أحداث الغضب التي أُخِذوا بها على حين غرة.
في جميع هذه الحالات تقريبا، كان زعماء الشركات يعانون افتقارا إلى الرؤية الجانبية. ولو أن عددا قليلا إضافيا من التنفيذيين أمضوا الوقت وهم ينصتون فعلا إلى ما يقوله الناس خارج الجناح التنفيذي، لكان هناك عدد أقل من المفاجآت.
بالعودة إلى حافلة دايمون، من جانبي ما زلت أجد صعوبة في تصديق كيف يستطيع هذا المصرفي المنفتح المندفع، الذي يهيمن في العادة على أي غرفة يكون فيها، البقاء صامتا بما فيه الكفاية ليستمع أو يتعاطف مع موظفيه. لكن مفهوم حافلته يستحق على الأقل التصفيق، من أجل الجانب الرمزي إن لم يكن من أجل أي شيء آخر. وإذا كان لدى غيره من الرؤساء التنفيذين أو الزعماء أفكار أفضل حول كيفية فهم عقلية النقاد والموظفين والزبائن، فربما يجدر بهم أن يشركونا فيها. في عصر يتسم بالضجيج الإلكتروني الذي لا ينتهي، من المهم بشكل متزايد أن نستمع إلى الآخرين؛ حتى إن كان ذلك يتطلب ركوب الحافلة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES