FINANCIAL TIMES

باول: «الاحتياطي الفيدرالي» يستخدم «النجوم» لتوجيه سياسته النقدية

جاي باول، رئيس مجلس "الاحتياطي الفيدرالي"، قال "إنه لا يرى مخاطر تسارع الاقتصاد الأمريكي"، مدافعا بذلك عن النهج التدريجي الذي يتبعه البنك المركزي لزيادة أسعار الفائدة ضد النقاد الذين من بينهم الرئيس دونالد ترمب.
أشار "الاحتياطي الفيدرالي" إلى أنه سيرفع أسعار الفائدة مرة أخرى في الشهر المقبل، مع توقعات على نطاق واسع بإجراء مماثل أيضا في كانون الأول (ديسمبر). لكن التوقعات تصبح أكثر ضبابية في عام 2019 في الوقت الذي تقترب فيه أسعار الفائدة من التقديرات الحالية للمعدلات المحايدة – التي تُعَرَّف على نطاق واسع بأنها سعر الفائدة الذي يبقي الاقتصاد عند مستوى مستقر.
باول، الذي كان يتحدث في ندوة جاكسون هول السنوية إلى مسؤولي البنوك المركزية يوم الجمعة، لم يشر بشكل مباشر إلى انتقادات ترمب، إنما ركز بدلا من ذلك على التبرير الأكاديمي والتاريخي لمنهجه الحذر من حيث زيادة أسعار الفائدة.
أشار باول إلى أن "الاحتياطي الفيدرالي" كان يحاول التعامل مع خطرين مزدوجين – التحرك بسرعة كبيرة فوق الحد وبالتالي تقليل التوسع الاقتصادي دون داعٍ، وعلى العكس من ذلك زيادة أسعار الفائدة ببطء شديد والمخاطرة "بالتسارع الذي يؤدي إلى زعزعة الاستقرار".
وأضاف "أرى المسار الحالي لرفع أسعار الفائدة بشكل تدريجي على أنه منهج "الاحتياطي الفيدرالي" القائم على أخذ كل واحد من هذين النوعين من المخاطر على محمل الجد. وفي حين اقترب التضخم أخيرا من نسبة 2 في المائة، إلا أننا لم نشهد أي علامة واضحة على حدوث تسارع فوق 2 في المائة، ولا يبدو أن هناك ارتفاعا في مخاطر التسارع الاقتصادي".
نبرة باول الحذرة أثارت عملية بيع كبيرة للدولار، في الوقت الذي أعرب فيه المستثمرون عن ارتياحهم لأن البيانات الاقتصادية القوية الأخيرة لم تثنِ باول عن نهجه البطيء. مؤشر الدولار، وهو مقياس للدولار مقابل سلة من العملات الأخرى، انخفض 0.5 في المائة على إثر التصريحات، وتراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات نقطتي أساس ليهبط إلى أدنى مستوى له منذ ثلاثة أشهر عند 2.81 في المائة.
لكن ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.6 في المائة لينهي اليوم عند مستوى قياسي مرتفع، وارتفع أيضا مؤشر ناسداك الذي يركز على التكنولوجيا ومؤشر راسل 2000 الذي يشتمل على شركات أصغر حجماً وذات توجه محلي.
ما يُعقد مداولات باول هو الخلافات المتصاعدة لإدارة ترمب مع أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة والجيشان في الأسواق الناشئة. كذلك أدت هجمات ترمب على "الاحتياطي الفيدرالي" بعد قراره بزيادة أسعار الفائدة إلى تعميق مشاعر عدم الارتياح في الأسواق. جاء خطاب باول، وهو الأول له باعتباره رئيس مجلس "الاحتياطي الفيدرالي" في الندوة السنوية لـ "الاحتياطي الفيدرالي" في كانساس سيتي، بعد أسبوع واحد فقط من تصريح ترمب بأنه "غير مرتاح" من التشديد النقدي من "الاحتياطي الفيدرالي".
أعطى رئيس البنك المركزي آفاقا إيجابية إلى حد كبير بشأن الاقتصاد الأمريكي، قائلاً "إنه مع الثقة القوية من الأسر والشركات، والمستويات الصحية لتوفير الوظائف، وارتفاع الدخول، ووصول الحافز من المالية العامة، فإن هناك سببًا وجيها لتوقع استمرار هذا الأداء القوي".
لكنه قال "إن مهمة "الاحتياطي الفيدرالي" تتطلب حذقا ومهارة بسبب صعوبة تحديد المتغيرات مثل معدل البطالة على المدى الطويل أو سعر الفائدة المحايد".
ويستخدم "الاحتياطي الفيدرالي" ما سماه باول "نجوما سماوية" لتوجيه سياسته، وهي تقديرات لمعدل البطالة الطبيعي، والنمو المحتمل للناتج، وسعر الفائدة المحايد. وأصبح توجيه الاقتصاد باستخدام هذه النجوم أكثر صعوبة لأن تقديرات مستوى النجوم تتغير بشكل لا يستهان به.
مثلا، انخفضت التقديرات الخاصة بمعدل البطالة الطبيعي بشكل حاد في الوقت الذي تراجعت فيه معدلات البطالة إلى جانب انخفاض التضخم، في حين انخفضت تقديرات معدل النمو المحتمل.
وقال باول "كانت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة تتنقل بين المياه السطحية للتسارع الاقتصادي، وبين التشديد السابق لأوانه مع نظرة ضبابية فقط لما يبدو أنها أدلة ملاحية متغيرة".
في الخطاب، نظر باول إلى الأحداث التاريخية الأخرى عندما كان من الصعب قياس مستوى المتغيرات الرئيسية – ولا سيما في الستينيات والسبعينيات عندما أسهمت أخطاء السياسة النقدية في انفجار التضخم، وفي التسعينيات عندما كان رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" السابق، ألان جرينسبان، يتصور أن الحد الأقصى لسرعة الاقتصاد كان يرتفع بسبب ارتفاع الإنتاجية، بحيث يقلص من مخاطر التضخم.
وبالنظر إلى أوجه اللبس التي يتعامل معها "الاحتياطي الفيدرالي"، جادل باول لمصلحة الحذر بشأن سياسة أسعار الفائدة ونهج "إدارة المخاطر"، وأشاد بنهج جرينسبان في التسعينيات من القرن الماضي، القائم على انتظار أدلة واضحة على ارتفاع التضخم قبل زيادة أسعار الفائدة.
واستشهد بوصية وليام برينارد الذي يقول "عندما تكون غير متأكد من آثار إجراءاتك، يجدر بك أن تتحرك بشكل متحفظ". ويضيف "بعبارة أخرى، عندما لا تكون متأكدًا من قوة الدواء، ابدأ بجرعة أصغر نوعًا ما".
هذا النهج لإدارة المخاطر يشير إلى أن رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" سيكون حذراً من اتباع التشديد المفرط في الوقت الذي تقترب فيه السياسة النقدية من المستويات المحايدة، مفضلاً بدلاً من ذلك مشاهدة مجموعة واسعة من المؤشرات، بينما يراقب الوضع تحسبا لظهور علامات التسارع الاقتصادي. وأشار إلى أن تلك المؤشرات تتضمن التجاوزات في الأسواق المالية، التي كانت السبب الأساسي في الكساد الأخير.
وسيكون الاستثناء من ذلك النهج الحذر هو ما إذا كانت هناك أزمة كبيرة تلوح في الأفق، أو ما إذا كانت توقعات التضخم تنحرف بشكل جوهري إلى أعلى أو أسفل. في هذه الحالة قال باول "إنه واثق بأن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة ستفعل بالتأكيد (كل ما يلزم)"، بصيغة رددت صدى تعهدات رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي، في عام 2012 بالدفاع عن اليورو.
وأضاف "إذا استمر النمو القوي في الدخل والوظائف، عندها سيكون من المناسب على الأرجح إدخال مزيد من الزيادات التدريجية على النطاق المستهدف لأسعار الفائدة على الأموال الفيدرالية".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES