أخبار اقتصادية- عالمية

احتياطيات الدولار الدولية تتجاوز 6 تريليونات .. تشكل 62 % من أرصدة العالم

عندما تمثل عملة ما 85 في المائة من العملات المتداولة في التجارة الدولية، وتتجاوز 60 في المائة من احتياطات الأرصدة المالية في العالم، وحين يكون ارتفاع قيمة أو انخفاض هذه العملة كفيلا بإحداث ارتجاجات وهزات اقتصادية في الاقتصاد الدولي ككل، وعندما يرتبك المشهد الاقتصادي العالمي برمته بمجرد رفع البنك المركزي سعر الفائدة على تلك العملة، وعندما يعني رفع أسعار فائدتها أو خفضها مؤشرا للمستثمرين لإعادة توجيه وتوزيع استثماراتهم، بما يتضمنه ذلك من إعادة توزيع مراكز القوى الاقتصادية العالمية، وإذا أسفر التقلب في سعر صرفها عن تقلبات حادة في معدلات التضخم والبطالة في عديد من الاقتصادات خاصة الناشئة والنامية منها.
وعندما تكون تلك العملة محط أنظار جميع محافظي البنوك المركزية في العالم بلا استثناء، فهل يمكن لأحد أن يتساءل حول أسباب ضعفها؟ أو المشكلات التي تواجهها؟ أو مجرد التفكير في إمكانية الإطاحة بها من على عرش العملات الدولية؟
نتحدث هنا عن الدولار الأمريكي، سيد العملات الدولية بلا منازع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فعلى البرغم مما يحظى به ثقل مركزي في الاقتصاد العالمي، إلا أن التساؤلات تظل قائمة حول أسباب "ضعف" الدولار، والعوامل التي أدت إلى تراجعه.
تنقسم المدرسة الاقتصادية في الوقت الحالي إلى فريقين أساسيين، وبينما يؤمن الفريق الأول بأن التقلبات التي تواجه سعر صرف العملة الأمريكية، لا تنفي أن الدولار سيظل لفترة طويلة مقبلة محافظا على مكانته باعتباره "العملة المعيارية" الأولى في العالم، التي تقاس قوة العملات الأخرى أو تضعضعها بناء على ارتفاعها أو انخفاضها في مواجهة الدولار، يرى الفريق الثاني أن العملة الأمريكية على الرغم مما تحظى به من تميز على المستوى الدولي، فإنها تواجه تحديات خطيرة تشكك في إمكانية أن يحافظ الدولار الأمريكي على وضعيته المميزة في الأجل الطويل، وأنه لا يجب التغاضي عن أن التقلبات الدائمة في سعر صرف العملة الأمريكية تعد أحد المؤشرات على ما يواجهه من مصاعب.
أوسكار وليم المختص المصرفي يعتقد أن التقلبات السعرية للدولار في الوقت الحالي، تعكس بشكل أو بآخر طبيعة السوق وحساسية العملة للتعليقات السياسية والاقتصادية لكبار المسؤولين الأمريكيين، مستبعدا أن يكون ذلك مؤشرا على تراجع وضعية الدولار في السوق الدولية.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أن "قيمة الدولار تراجعت خلال الأيام الماضية، نتيجة موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المعارض لتوجهات جيروم باول محافظ المجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، ومنطق ترمب بسيط ويتأسس على أن رفع أسعار الفائدة سيرفع من تكلفة الإقراض لرجال الأعمال في الولايات المتحدة، ومن ثم سيزيد من التكلفة الإنتاجية، وبذلك تفقد المنتجات الأمريكية واحدة من مميزاتها الرئيسية في الوقت الراهن، وهي أن انخفاض سعر صرف العملة الأمريكية يجعل المنتجات الأمريكية تتمتع بمميزات نسبية في السوق الدولية مقارنة بغيرها من المنتجات".
ويشير وليم إلى أن هبوط سعر صرف العملة الأمريكية لا يعد في الوقت الحالي ميزة سلبية، أو مؤشرا يمكن الاستنتاج منه أن الدولار في وضع تراجعي على المدى الطويل.
الدكتور آر. إن وليم أستاذ الاقتصاد الدولي يؤكد أن سياسة ترمب تقوم على دعم الدولار القوي، لكنه يقول لـ "الاقتصادية"، "إن الدولار القوي بالنسبة إلى ترمب هو الدولار الذي يعزز الصادرات الأمريكية، بمعنى آخر قد يتضمن كثيرا من التناقضات، والدولار القوي بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية هو الدولار الذي يساعد الاقتصاد على التغلب على مشكلات العجز التجاري التي يعانيها".
لكن إذا كانت قناعة البيت الأبيض أن الوضع الأمثل للدولار يكمن في تجنب ارتفاع أسعار صرفه في مواجهة العملات الأخرى، فهل يعني ذلك أن منافسي العملة الأمريكية مثل اليورو الأوروبي والين الياباني واليوان الصيني يمكن أن توجه إلى الإدارة الأمريكية تهمة "التلاعب" بقيمة الدولار؟، وهل يمكن أن يكون ذلك مقدمة لحرب عملات غير معلنة بين القوى الاقتصادية الكبرى في العالم؟
يعتقد بعض المختصين أن الحديث عن حرب العملات، يأتي ضمن صراع أوسع نطاقا بشأن تغيير موازين القوى الاقتصادية العالمية، وبقدر أن العملات تعد أحد ميكانيزمات المنافسة المحتدمة لتبوء المراكز القيادية في الاقتصاد الدولي، فإنها أيضا الساحة الرئيسية التي ستظهر فيها نتائج الصراع.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، ماك لورين الباحث في بنك إنجلترا أن "الدولار سيواصل الاحتفاظ بوضعه كمركز الثقل في سوق العملات الدولية، لكن وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي فإن نصيب الدولار من الاحتياطي الدولي للعملات تراجع خلال الربع الأول من هذا العام إلى أدنى مستوى خلال السنوات الأربع الماضية، في الوقت الذي زادت فيه حصة اليورو واليوان والاسترليني، وهذا مؤشر يعتقد البعض أنه يكشف عن قناعة – أولية على الأقل - لدى محافظي البنوك المركزية في العالم أن الثقل النسبي للدولار في تراجع".
ويضيف "بلغت الاحتياطات الدولية من العملة الأمريكية 6.282 تريليون دولار في الربع الأول من هذا العام أي نحو 62.72 في المائة من الاحتياطات الدولية، مقابل 6.499 تريليون دولار "62.47 في المائة" في الربع الأول من عام 2017، ويعد ذلك مؤشرا على أن السياسة الأمريكية الراهنة والمنحازة لفلسفة الدولار الضعيف لتعزيز الصادرات الأمريكية، ربما ستكون لها آثار سلبية على المدى الطويل على وضعية الدولار، وربما تؤدي إلى تقليص جاذبيته في الأسواق الدولية".
وإذا كان عديد من الاقتصاديين يعتبرون أن أحد عوامل قوة الدولار، يكمن في نظر كثير من المستثمرين في اعتباره ملاذا آمنا كالذهب، بل ربما يتفوق عليه عند رفع أسعار الفائدة، فإن التراجع المستمر في أسعار صرفه يؤدي إلى تغيير وجهة النظر السائدة.
ويقول لـ "الاقتصادية"، جورج أوريل المختص الاستثماري، "إن تقييمات أسواق الأسهم الأوروبية واليابانية تشير إلى أنها أقل توترا من أسواق الولايات المتحدة، وتبدو إمكانات نموها أكبر بالنظر إلى مراحل الدورة الاقتصادية، هذه الديناميكية في سوق الأسهم وتأثيرها في طلب المستثمرين على الدولار توجد رياحا معاكسة في غير مصلحة العملة الأمريكية على المدى الطويل".
ويضيف أوريل، أن "توجهات المستثمرين الأوروبيين واليابانيين لشراء سندات الخزانة الأمريكية بسبب العوائد السلبية في أسواقهم المحلية، إضافة إلى الرغبة في تنويع محافظهم الاستثمارية، عزز وضعية الدولار في الماضي، وهذا الوضع يتغير الآن، ففوائد التنوع في ظل انخفاض سعر صرف الدولار في مواجهة العملات الأخرى يجعله أقل جاذبية، والعوائد الإيجابية للسندات الأوروبية واليابانية تضعف الطلب على نظيرتها الأمريكية ومن ثم تضعف الطلب على الدولار".
ومن ثم يمكن القول، إنه بافتراض استمرار نمو الاقتصاد الدولي والتغيرات المستقبلية في السياسات النقدية في أوروبا واليابان، فإن التدفقات المالية التي دعمت الدولار في السنوات الأخيرة ستتراجع، ويمكن أن يؤدي تراجعها إلى انعكاسات لا تصب في مصلحة مزيد من تعزيز وضع العملة الأمريكية على المدى الطويل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية